تعيش دار النشر الفرنسية العريقة «غراسيه» أزمة غير مسبوقة، بعدما أعلن نحو 170 كاتباً وقف التعامل معها احتجاجا على ما وصفوه بـ»التدخل السياسي» عقب إبعاد رئيسها التنفيذي أوليفييه نورا، الذي قاد الدار لأكثر من 26 عاماً وحقق خلالها نجاحات أدبية بارزة، وهو الإبعاد الذي حمّل الكتّاب المنسحبون، فانسان بولوريه المسؤولية عنه.
في المقابل، خرج رجل الأعمال فانسان بولوريه بتصريح استفزازي أكد فيه مواصلة نشاط الدار والبحث عن مؤلفين جدد، مؤكداً أن المؤسسة ستستمر رغم الانتقادات، في وقت أثار فيه هذا الخلاف جدلاً واسعاً حول استقلالية النشر والتوجهات الأيديولوجية داخل المشهد الثقافي الفرنسي.
وندد الكتّاب في رسالة مفتوحة بـ»هجوم غير مقبول على الاستقلال التحريري» للدار بعد الإعلان عن مغادرة نورا الذي ترأسها لمدة 26 عاما، حصلت خلالها الدار على 17 جائزة غونكور.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» التي يملكها بولوريه، وصف هذا الاخير الكتاب المنسحبين بـ»زمرة صغيرة تعتقد أنها فوق كل شيء وفوق الجميع، وتتواطأ فيما بينها وتدعم نفسها بنفسها»، مضيفا «ستستمر غراسيه، والذين يرحلون سيفسحون المجال لنشر (أعمال) مؤلفين جدد والترويج لهم والاعتراف بهم وتقديرهم».
يذكر أن غراسيه كرست اسمها مع عمالقة الأدب الفرنسي مثل فرنسوا مورياك وأندريه مالرو، ومن بين المؤلفين الذين ابتعدوا دعما لأوليفييه نورا، برنار هنري ليفي وفيرجيني ديبانت وسورج شالاندون.
واعتبر الكتاب في رسالة لهم أنه «من المستحيل التزام الصمت. كان رحيل أوليفييه نورا بمثابة الشرارة. لقد رأينا ما فعله بولوريه في آي تيلي، وفي (إذاعة) أوروبا 1، وفي (صحيفة) لو جورنال دو ديمانش، وفي دار نشر فايار. لا يمكننا السماح بأن تصبح جميع دور النشر التابعة لمجموعة هاشيت مؤسسات يمينية متطرفة».
وقد وقّع أكثر من 300 كاتب وشخصية من عالم النشر مقالا مشتركا نُشر السبت الماضي، أعربوا فيه عن القلق إزاء «التوجّه الأيديولوجي الذي تم رصده في النقاش العام» حول شركات بولوريه.
ولم يُقرأ قرار الإقالة في الأوساط الثقافية بوصفه إجراء تنظيميا عاديا، بل باعتباره علامة فارقة على تحول أعمق في بنية صناعة النشر الفرنسية، مع تزايد تأثير رجل الأعمال فانسان بولوري على مجموعة هاشيت المالكة لغراسيه منذ عام 2023. فالرجل، المعروف بنزعته المحافظة ونفوذه الواسع في الإعلام الفرنسي، بات يُنظر إليه باعتباره لاعبا مركزيا يعيد تشكيل خريطة المؤسسات الثقافية وفق رؤيته الخاصة.