
1تقاطع الذات والذاكرة والتاريخ في الرواية العربية المعاصرة
يتنزل هذا كتاب “الرواية العربية المعاصرة: الذات والهوية والتاريخ” منزلة خاصة في الانشغال النقدي للباحث والأستاذ الدكتور عبدالعزيز بنار في مجال السرد الحديث وتأويل الخطاب السردي. وقد أثمر هذا الانشغال بسط العديد من القضايا النقدية والجمالية المتعامدة في خطاب الرواية والقصة معا. في هذا السياق، يأتي كتاب “الرواية العربية المعاصرة” الصادر عن مؤسسة مقاربات للصناعات الثقافية واستراتيجيات التواصل والنشر بالمغرب في طبعته الأولى نهاية 2025، بعد تتويج هذا الباحث -الذي نحت اسمه بصبر في الدرس الجامعي والمشهد النقدي المغربي والعربي- بوصوله إلى اللائحة الطويلة لجائزة كتارا صنف الدراسات النقدية.
ويركز الدكتور بنار في هذا الكتاب على تحولات الرواية العربية المعاصرة التي أصبحت مساهمة بشكل كبير في إنتاج المعرفة، بل ورافدا من روافدها المتعددة، التي تستدعي إعادة مساءلة رهانات النوع الروائي، لا باعتباره مجرّد شكل جمالي أو وعاء حكائي، بل بوصفه وسيطا سرديا معرفيًا مركبًا، قادرًا على إنتاج الفهم وتأويل العالم، ووصل الذات بعالمها في سياق تجربة إنسانية مثقلة بوعي زمني. فمنذ الصفحات الأولى، يعلن الدكتور بنار انحيازه إلى تصورٍ حديث للرواية يرى فيها «نموذجًا للعالم»، وفق تعبيره، بما تنطوي عليه من قدرة على تمثيل الزمن، وتشخيص التحولات الفردية والجماعية، وربط الذاكرة بالتاريخ والذات بالهوية، نقرأ في الكتاب: “إن الرواية في الأزمنة الحديثة قد شيدت عوالمها التخييلية وتركيبها الفني على معرفة وقصود وصياغة رؤى فلسفية ووجودية للعالم، إذ لم تعد الفلسفة والعلوم الحقة وحدعما من تنتجان معرفة بالعالم والإنسان والوجود” (ص، 09).
يستند هذا التصور إلى تقاليد نظرية راسخة في الفكر الأدبي الغربي، من الرومانسية الألمانية وفكرة “المطلق الأدبي”، إلى تنظيرات ميخائيل باختين حول تعددية الأصوات وكون الرواية جنسًا منفتحًا عابرًا للأجناس متخلقًا من “الأعتاب السفلى” للمجتمع. غير أن أهمية الكتاب لا تكمن في استحضار هذه المرجعيات فحسب، بل في توطينها داخل سؤال الرواية العربية المعاصرة، وربطها بتحولاتها التاريخية ورهاناتها الجمالية.
الرواية العربية وسؤال التحول: مسارات في تخييل العالم
تقدّم المقدمة مسارًا مكثفًا لتاريخ الرواية العربية، من سؤال النشأة والتجنيس، إلى أسئلة الحداثة والتجريب. ويبيّن الباحث بنار أن الرواية العربية لم تعد مجرّد محاكاة لنماذج غربية، بل صارت فضاءً لاختبار الهويات، وإعادة تخييل التاريخ، وبناء ذات سردية قلقة ومتحولة. في هذا السياق، يستثمر المؤلف توصيف جابر عصفور للرواية باعتبارها “ديوان العصر”، وكذلك مفهوم “النوع الحاجب” عند سعيد يقطين، ليؤكد أن الرواية أضحت الشكل الأقدر على استيعاب تعقيد الواقع العربي المعاصر.
ويُحسب للكتاب أنه لا يتعامل مع هذه التحولات بوصفها خطًا تطوريًا بسيطًا، بل بوصفها سيرورة متداخلة، تتفاعل فيها المرجعيات التراثية مع تقنيات حديثة مثل الواقعية السحرية، والتخييل الذاتي، والتخييل التاريخي، في أفقٍ نقدي يرفض الأحادية واليقينيات المغلقة.
السرد وسيطًا بين الإنسان والعالم
ينطلق الباب الأول من تأسيسٍ نظري متين، يجعل من السرد وسيطًا أنطولوجيًا ومعرفيًا بين الإنسان والعالم، مستلهمًا أطروحات بول ريكور حول العلاقة بين السرد والهوية والزمن. وضمن هذا الإطار، يميز البنار بنار بين الكتابة السيرذاتية والتخييل الذاتي، مبرزًا كيف انتقلت الرواية العربية من تمثيل الذات بوصفها معطًى ثابتًا، إلى تشخيصها باعتبارها بناءً لغويًا وتخييليًا، مشروطًا بالذاكرة والتاريخ والسياق الثقافي.
كما يتناول الكتاب التحول من “الرواية التاريخية” إلى “التخييل التاريخي”، حيث لم يعد التاريخ مادةً جاهزة للسرد، بل فضاءً مفتوحًا للتأويل، يتدخل فيه الروائي لملء فجوات المؤرخ، وإعادة مساءلة المسكوت عنه، وهو ما يمنح الرواية سلطة معرفية موازية، وإن كانت مختلفة، عن سلطة الخطاب التاريخي.
من التنظير إلى التطبيق: الذات والهوية والتاريخ أفقًا للتخييل
يُترجم الباب الثاني هذه التصورات النظرية إلى مقاربات تطبيقية دقيقة، تتناول نماذج روائية مختارة لدلالتها الجمالية والوظيفية. ففي قراءته لرواية “بيتنا الكبير” لـ**ربيعة ريحان، يتتبع الكاتب عبدالعزبز بنار الانتقال من تخييل الذات إلى تخييل الذاكرة، كاشفًا عن دور السرد في إعادة بناء الانتماء والحنين، بينما في رواية “وتحملني حيرتي وظنوني لسعيد بنكراد” فيبرز تداخل سيرة الذات بسيرة الكتابة، حيث يصبح النص فضاءً للتأمل في شروط المعرفة والقول.
ويتوسع التحليل ليشمل مساءلة الهوية وبناء «فضاء ثالث» يتجاوز الثنائيات المغلقة في رواية “سيني كلوب” للروائي والقاص المغربي محمد أمنصور التي تستحضر أسئلة الذاكرة المقلقة والتعالق بين عناصر الهوية المغربية والعربية، حيث تتجاوز هذه الهويات حدودها لتعترف بالآخر خارج الحدود الوطنية، وهذت ما تكشف من خلال استحضار السارد للقضية الفلسطينية بأبعادها السياسية والثقافية والإنسانية، إذ تغدو الهوية تفاوضا بين الذاتي والجماعي ويتحول نقدها إلى مناسبة لبناء فضاء ثالث، وهذا ما عبرت عنه الرواية من خلال تفردها بقدرة تعبيرية قوية عن تجربة الذات الإنسانية. في هذا السياق يستحضر الباحث قولا دالا لبول ريكور لتجذير مكانة الرواية في المعرفة الإنسانية: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو أن تقول شيئا لا يمكن أن تقوله سوى الرواية” (ص، 64).
وفي سياق التصور النقدي الذي ينطلق منه الكاتب لإضاءة حضور الذات والهوية والتاريخ في الرواية والآفاق التي تفتحها هذه العناصر في تخصيب التجربة الروائية العربية، توقف الباحث في كتابة عند فاعلية التاريخ في روايتي “الباشادور” للروائي المغربي حسن أوريد ورواية “شموس” لـلروائي المصري محمد حجاج، حيث يتجلى من خلال هذين النصين التاريخ مادة تخييلية تُقرأ بوعي إنساني نقدي، لا بوصفه سجلًا توثيقيًا جامدًا.
الرواية العربية أفقًا للمعرفة والاختلاف
لايكتفي الكتاب بتقديم خلاصات فقط، بل يجعل خاتمة الكتاب منطلقا للتفكير في آفاق الخطاب الروائي استنادا إلى تخييل الذات والهوية والتاريخ، هذه العناصر التي أسهمت في إنتاج أنماط جديدة من المعرفة، تتجاوز السرد الكلاسيكي وتخرق نظام الحكي المألوف، كما يبرز الكتاب الدور اللافت لكتابة المرأة في هذا المسار، خصوصًا في تعميق تخييل الذات، مع اختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية بين التجارب الروائية.
إن القيمة العلمية لكتاب عبدالعزيز بنار تكمن في قدرته على الوصل بين التنظير والممارسة، وعلى بناء رؤية شمولية للرواية العربية بوصفها خطابًا معرفيًا وجماليًا في آن. وبهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب قراءةً في نصوص بعينها فحسب، بل يقترح أفقًا بحثيًا مفتوحًا لتجديد الدرس السردي العربي، بعيدًا عن الاجترار، وقريبًا من أسئلة الإنسان والكينونة والتاريخ والهوية، إذ تشعر وأنت تعيد قراءة هذا الكتاب بنوع من المزج بين أجرأة آليات تحليل الخطاب السردي واستحضار معرفة حول قضايا النوع الروائي ومستقبل الإنسان.
*باحث بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل، بالقنيطرة