عن الشاعر:
علي بودريميا شاعر من مواليد كوسوفو سنة 28 غشت 1942، بمدينة كْياكُوفا على الحدود الألبانية. عاش طفولة صعبة نظرا لوفاة والديه وهو لا يزال في سن مبكرة. نشر أشعاره الأولى وهو لا يزال في المرحلة الثانوية في مجلة “الحياة الجديدة” باسم اسكندر كياكوفا، مستعيرا اسم بطل وطني “اسكندربرغ” والاسم العائلي لمعلِّمته، وهو في نفس الوقت اسم مسقط رأسه. تخرج من جامعة بريشتينا متخصصا في اللغة والأدب الألبانيين. أمضى معظم حياته في مدينة بريشتينا يعمل ناقدا أدبيا. وُجِدَ يوم 18 يوليوز 2012 ميتا بشوارع لوديف بفرنسا، بينما كان يشارك في ملتقاها الشعري أصوات المتوسط. تحدثت الصحف عن عثور الشرطة على جثته غير بعيد عن لوديف (4كلم) في منطقة مشجَّرة بمحاذاة ساقية دون وجود أثر عنف عليها. قرأ شعره على أسماع جمهور مهرجان لوديف ثم اختفى. وكأن عطشا ألم بروحه فارتاح يسقيها من عناء الدنيا بين الأشجار مستمتعا بحديث الماء وهو يجري نحو أفق مجهول بعد أن شَهِدَ استقلال بلاده، تلك البلاد التي صدح شعره عاليا بآلامها وآلام أبنائها في حرب خبيثة لم تُبْقِ ولم تَذَرْ غير الجراح. الموت الذي خطف بودريميا في سن السبعين وهو لا يزال في طريق القصيدة يمشي، اختطف أيضا ابنه لومي وهو في التاسعة من عمره بعد صراع مرير مع المرض. منذ ذلك الحين صار لعلي بودريميا قدر شعري خاص مع الموت، سيضعه الحدث في مواجهة مستمرة مع فكرة الموت.
يعتبر على بودريميا عضو أكاديمية العلوم والفنون بكوسوفو من الأصوات المهمة في الأدب الألباني الحديث. بعد وفاته تم تأبينه من طرف إدارة المهرجان والمشاركين فيه في حفل مهيب، وخصصت له جنازة بحضور زوجته وأبنائه اتخذت طابعا وطنيا برعاية الأكاديمية. وتكريما له نصبت لوحة تذكارية في المكان الذي تلا فيه قصائده خلال مشاركته في المهرجان، فيما تمت توأمة مدينة لوديف مع مدينة كياكوفا مسقط رأسه بكوسوفو.
خلف علي بودريميا عددا من المؤلفات في الشعر والنقد: صيحات وهو ديوانه الأول والذي كان نتاج طرده من المدرسة (1961)، مناديل التحايا (1963) ظل الأرض (1971)، لومي لومي ديوان عالج فيه موت ابنه عبر نصوص اتخذت شكل تأملات في الحياة والوجود (1983)، ابتسامات في قفص (1994)، عيب الفعل (2000)، الشعلة المسروقة (2010) وهو الكتاب الذي ترجم إلى عدد من اللغات الأوروبية ونال عنه جائزة نيكولاوس لينو بألمانيا. أصدرت أكاديمية العلوم والفنون بكوسوفو آثاره الكاملة في تسعة مجلدات في الذكرى الأولى لرحيله تنفيذا لوعد من رئيس البلاد.
في حوار له مع مجلة WLT “عالم الأدب اليوم” الأمريكية حمل عنوان “وأخيرا تكلم علي بودريميا”، يقول متحدثا عن دور الشاعر في شحذ همة شعبه من أجل الثورة ضد الاحتلال ومظاهر الظلم الذي تتعرض له الشعوب والأفراد: “دور الشاعر ألا يلتمس الصمت تجاه الظلم واللاعدالة الذي قد يمس الشعوب أو الأفراد”. وعن الحب في حياة الإنسان وفي شعره يقول: “الحب شيء مقدس. إنه يجلب السعادة في الحياة. جل الشعراء الكبار أهدوا بعضا من أجمل أشعارهم لجمال وحب المرأة. ومن المهم أن نتذكر أن الإنسان من أجمل المخلوقات في الطبيعة”.
شاعران طبعا شخصية علي بودريميا الشعرية وكان لهما أثر على إنتاجه الأدبي: الشاعر بيترو ماركو (1913-1991) من جنوب ألبانيا والشاعر الاسباني فيديريكو غارسيا لوركا (1898-1936) بسيرته المأساوية ومقتله على يد جنود فرانكو.
مَنْ سَيَقْتُلُ الذِّئْبَ؟
قَالَ الْمُعَلِّمُ:
إِذَا اعْتَرَضَ سَبِيلَكَ
الْأَلْبَانِيُّ والذِّئْبُ،
اذْبَحِ الْأَلْبَانِيَّ!
عِنْدَمَا تَنَاهَتْ الْعِبارَةُ
لِمَسْمَعِهِ،
لَفَّ الْأَلْبَانِيُّ سِيجَارَةً وَابْتَسَمَ:
إِذَا كُنْتَ تُفَكِّرُ فِي قَتْلِي
أَيُّهَا السَّاذِجُ،
مَنْ سَيَقْتُلُ الذِّئْبَ
أَيُّهَا الْخَرُوفُ الْمِسْكِينُ؟
اَلشُّعْلَةُ الْمَسْرُوقَةُ
كَيْفَ لَدَغَتْهُ الْحَيَّةُ؟
قَالَ لِلْأَسَدِ: اهْدَأْ!
فَرَكَعَ الْأَسَدُ بِجَانِبِ عُكَّازَتِهِ.
قَالَ النَّاسُ:
مُنْذُ مُدَّةٍ
لَمْ نَرَ مِثْلَ هَذَا الْمَشْهَدِ
فِي سِيرْكِ حَيِّنَا.
لَكِنْ كَيْفَ لَدْغَتْهُ الْحَيَّةُ؟
فِي مَدِينَتِنَا الصَّغِيرَةِ
يَحْكِي الْأَطْفَالُ
أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ حَامِلًا الشُّعْلَةَ
فَسُرقَتْ مِنْهُ فِي يَوْمٍ مُمْطِرٍ.
وكَيْفَ لَدْغَتُهُ الْحَيَّةُ؟
يَقُولُ لِلْأَسَدِ: اهْدَأْ!
فَيَرْكَعُ أَمَامَ الْعُيُونِ الْمُعْتِمَةِ.
رِحْلَةٌ مَعَ الذِّئَابِ
أَمْرٌ مُهِمٌّ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ الذِّئَابِ
بِالِانْطِلَاقِ إِلَى الْغَابَةِ
سَتَكْتَشِفُ وَجْهَكَ الْحَقِيقِيَّ
قَدْ يَدُومُ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَوَاتِ عُمْرٍ
لَكِنْ يَحْدُثُ
أَنْ تَعْبُرَ بِسُرْعَةِ فَرَسٍ
لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ سَافَرَ مَعَ الذِّئَابِ
لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْحُرِّيَّةِ
وَلَا قَمِيصَ النُّجُومِ
أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، أَيُّهَا الْمُقِيمُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ
اطْمَئِنْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ
دُونَ أَنْ تَفْقِدَ ذِرَاعًا أَوْ كَوْكَبًا
لَا أَحَدَ سَيَفْتَحُ لَكَ الْبَابَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ
لَا شَيْءَ يَسْقُطُ مِنْ السَّمَاءِ
عِنْدَمَا تَخْتَرِقُ الْوَطَنَ شَفْرَةُ سِكِّينٍ.
عُـــزْلَةٌ
ظِلُّ الْعَالَمِ كَوْكَبُ نَفْيٍ
وَرْدَةُ صَمْتٍ رَقِيقَةٍ
سَيْفُ حُدَّ
عَلَى حَدَقَةِ الضَّوْءِ
يَذُوبُ بِالْبُرُوقِ.
غَـــزَالَةٌ
جَسَدُكِ شِفَائِي
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ-الْمَرْجُ الْمُزْهِرُ
جَسَدُكِ عَافِيَتِي
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ-الظَّهِيرَةُ النَّاضِجَةُ فِي الْوَرِيدِ
جَسَدُكِ كَرَاهِيَتِي
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْأُمْسِيَّةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ،
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْبَحْرُ الْعَمِيقُ.
نَشِيدُ الْحُرِّيًّةِ
كُلُّ شَيْءٍ عَنْكَ يَا لُومِي،
مِيلَادُكَ
وَخُطْوَتُكَ
طُمَأْنِينَتِي فِي الْحَيَاةِ.
اِسْتَمِعْ لِلنَّايِ الْقَدِيمِ
نَفَسُ وَحْشٍ غَرِيبٍ يَقْتَرِبُ
فِي أُورُوبَّا.
كثيرة هي الأناشيد التي صَدَحَت
لَكِنَّ نَشِيدًا وَاحِدًا لَا يَنْتَهِي أَبَدًا
نَشِيدُ الْحُرِّيَّةِ.
وَكُنْتَ مَيِّتًا
كَانَ الْوَقْتُ صَيْفًا
الشَّمْسُ فَوْقَ الرَّأْسِ
ظِلَالٌ، خَبَرْتَ أُورُوبَّا.
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ الرَّهِيبِ
عُدْتَ يَوْمًا بِعُيُونَ وَاسِعَةٍ
دَخَلتَ قَصِيدَةَ أَبِيكَ دُونَ إِذْنٍ.
هُنَا أَنْتَ فِي أَمَانٍ يَا لُوْمِي
قَسَمًا لَنْ يُصِيبَكَ أَذًى.
كَانَ الْوَقْتُ صَيْفًا
الشَّمْسُ جِهَةَ الْغَرْبِ
وَكُنْت مَيِّتًا، أَيَّتُهَا الْأَرْضُ.
* شاعر ومترجم مغربي، صدر له أجنحة الشبق (شعر)، دار الغاوون، بيروت 2013، لبنان ” و “إرهاصات البحث العلمي في التربية (ترجمة)، غاستون ميالاري، منشورات الخيام، المضيق 2023، المغرب”.