ادب و فكر

العنصرة… حين يشتعل التراث في ذاكرة الأرض

قراءة في كتاب العنصرة عيد كوني بعيون محلية وأجنبية

 

لا يختزل التاريخ في ما دونته السجلات الرسمية عن الحروب والمعاهدات وتقلبات السلطة، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأشد رسوخا وإلى عادات الشعوب وطقوسها واحتفالاتها، وذاكرتها الجماعية التي تنتقل شفهيا وجسديا عبر الأجيال. في هذا الأفق الواسع، تبرز الثقافة الأمازيغية في الريف باعتبارها خزانا غنيا بالرموز والدلالات، حيث تتقاطع الطبيعة بالإنسان، ويغدو الاحتفال فعلا وجوديا يربط الأرض بالسماء. غير أن هذا التاريخ غير الرسمي ظل، في كثير من الأحيان، مهمشا أو منسيا لصالح سرديات مكرورة، تعيد إنتاج نفس الوقائع دون أن تنفذ إلى عمق الحياة اليومية. من هنا تأتي أهمية الأعمال التي تنبش في هذا الهامش وتعيد الاعتبار له، ومن بين هذه المحاولات الرصينة يبرز كتاب “العنصرة عيد كوني بعيون محلية وأجنبية” للباحث عبد الصمد المجوقي، الذي اختار أن يسلك دربا مختلفا، يستنطق الطقس ويؤوله بدل أن يكتفي بوصفه.
يأتي هذا الكتاب كتجربة علمية وتوثيقية متفردة، لا من حيث الموضوع فحسب، بل أيضا من حيث بنيته التشاركية التي تجمع بين الرؤية المحلية والنظرة الأنثروبولوجية الأجنبية. فـ”العنصرة”، كما يقدمها الكتاب، ليست مجرد احتفال عابر، بل هي طقس كوني يتقاطع فيه الفلاحي بالأسطوري والديني بالشعبي، والبيئي بالرمزي. إنها لحظة زمنية مشحونة بالدلالات، تقع في قلب الدورة الزراعية، حيث يحتفي الإنسان بالأرض وبخصوبتها، ويستدعي قوى الطبيعة عبر النار والماء والرقص والغناء.

مواضيع الكتاب
وما يميزه:

ينفتح النص الأول، الذي يحمل عنوان “العنصرة: مقاربة تأصيلية”، بقلم عبد الصمد المجوقي، على محاولة جادة لتأصيل هذا الطقس داخل سياقه التاريخي والثقافي. لا يكتفي الباحث بوصف مظاهر الاحتفال، بل يسعى إلى تفكيك بنيته الرمزية، متتبعا جذوره في الثقافة الأمازيغية، ومستحضرا امتداداته في حضارات أخرى. يقرأ المجوقي “العنصرة” باعتبارها تعبيرا عن علاقة الإنسان بالأرض، وعن حاجته الدائمة إلى التوازن مع الطبيعة. ومن خلال هذا التحليل، تتحول النار التي تشتعل في هذه المناسبة من مجرد عنصر احتفالي إلى رمز للتطهير والتجدد، بينما يصبح الماء علامة على الحياة والاستمرارية.
أما النص الثاني، فيحمل عنوان “عادات منتصف الصيف بالمغرب”، وهو للباحث الفنلندي إدوارد فيسترمارك، وقد قام بترجمته سميز الغازي عن اللغة الانجليزية. هنا، ينتقل القارئ إلى عين أجنبية ترصد الطقس من الخارج، بعين أنثروبولوجية دقيقة تسعى إلى المقارنة والتصنيف. يقدم فيسترمارك وصفا غنيا لعادات منتصف الصيف في المغرب، مبرزا أوجه التشابه بين “العنصرة” وطقوس مشابهة في ثقافات أخرى، خاصة في أوروبا. هذا التوازي يفتح أفقا جديدا لفهم “العنصرة” كظاهرة إنسانية كونية، تتجاوز حدود الجغرافيا وتكشف عن وحدة التجربة البشرية في مواجهة الطبيعة والزمن.
ويأتي النص الثالث بعنوان “العنصرة: نيران الانقلاب الصيفي وطقوسها ببلاد الأمازيغ”، وهو نص مترجم عن الفرنسية أنجزته كل من فاطمة موحند وعمر، ليكمل هذا البناء المعرفي. يركز هذا النص على البعد الطقوسي المرتبط بالنار، باعتبارها عنصرا مركزيا في احتفالات الانقلاب الصيفي. ومن خلال هذا التركيز، يتم الكشف عن شبكة من الرموز التي تجعل من “العنصرة” لحظة انتقالية، يودع فيها الناس فصلا ويستقبلون آخر، في طقس جماعي يعيد إنتاج الانسجام بين الإنسان ومحيطه.
ما يميز هذا الكتاب في مجمله، هو هذا التداخل الخلاق بين المحلي والعالمي، بين التجربة المعيشة والتحليل العلمي، بين الذاكرة الشفوية والتوثيق المكتوب. إنه لا يكتفي بجمع النصوص، بل يخلق حوارًا بينها، يجعل القارئ ينتقل بسلاسة بين زوايا نظر مختلفة، دون أن يفقد خيط المعنى. كما أن حضور الترجمة في هذا العمل يضفي عليه بعدًا إضافيًا، إذ يفتح المجال أمام القارئ العربي للاطلاع على نصوص أنثروبولوجية مهمة، كانت حبيسة لغات أخرى.

خاتمة:

في خاتمة الكتاب، تتجمع هذه الخيوط كلها لتشكل رؤية شاملة لـ”العنصرة” باعتبارها طقسا حيا، لا يزال يحتفظ بقدرته على التجدد، رغم التحولات التي يعرفها المجتمع. وهنا تكمن أهمية هذا العمل فهو لا يوثق الماضي فقط، بل يطرح سؤال الحاضر والمستقبل، ويذكرنا بأن هذه الطقوس ليست مجرد بقايا من زمن غابر، بل هي جزء من هوية مستمرة، تحتاج إلى من يقرأها ويعيد تأويلها.
إن “العنصرة عيد كوني ن بعيون محلية وأجنبية” ليس مجرد كتاب عن طقس احتفالي، بل هو دعوة لإعادة النظر في مفهوم التاريخ نفسه، والاعتراف بأن ما يهمل أحيانا في الهامش قد يكون هو جوهر الحكاية. ففي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى مثل هذا العمل بمثابة جسر يربطنا بجذورنا، ويذكرنا بأن النار التي تشعل في “العنصرة” ليست فقط نار الاحتفال، بل هي أيضا نار الذاكرة… التي ترفض أن تنطفئ.