بعد يوم واحد من تصريحات وزير الفلاحة، محمد البواري، التي تباهى فيها بتحقيق أرقام قياسية للمنتوجات الفلاحية خلال فعاليات الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، معلنا وصول إنتاج القمح إلى 90 مليون قنطار، والماشية إلى حدود 33 مليون رأس، مع بلوغ إنتاج اللحوم الحمراء 350 ألف طن، واللحوم البيضاء 784 ألف طن، ومؤكدا تغطية جميع حاجيات السوق بنسبة 98 في المائة وإنتاج 2 مليار لتر من الحليب.. يأتي التقرير الشهري للأسعار الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط ليكذب هذه الادعاءات الوردية. ويصدم التقرير المغاربة بواقع نقيض تماما لما يروج له في أروقة المعرض، فبينما كانت خطابات «الوفرة» تملأ خطاب الوزارة الوصية على قطاع الفلاحة بفضاء الندوات بمكناس، سجل مؤشرالاستهلاك لشهر مارس 2026 ارتفاعا ملموسا بنسبة 1,2% مقارنة بالشهر السابق. هذا المنحى التصاعدي يعزى أساسا إلى قفزة في أثمان المواد الغذائية بنسبة 1,9%، مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى تلك «الأرقام القياسية» إذا كانت أسعار اللحوم عند الجزار قد بلغت مستويات قياسية، حيث وصل سعر لحم الغنم إلى 150 درهما للكيلوغرام ولحم البقر إلى 120 درهما، رغم الحديث الرسمي عن ملايين الرؤوس من الماشية.
وعند تفكيك بنية الغلاء التي رصدها التقرير الرسمي، نجد أن الخضر سجلت ارتفاعا قياسيا بلغ 9,7% ما بين شهري فبراير ومارس. هذا الارتفاع الصادم يجد صداه في الأسواق الشعبية حيث استقرت أثمان الطماطم والبصل فوق حاجز 12 درهما للكيلوغرام، مما يكذب طموحات «تغطية حاجيات السوق 100%» التي أعلنها الوزير. ولم يتوقف الأمر عند الخضر، بل امتد ليشمل الفواكه بنسبة 2,6% واللحوم بنسبة 2,4%، والسمك وفواكه البحر بنسبة 1,3%. إن هذه الزيادات المتتالية تؤكد أن الوفرة المدعاة في مكناس لم تنجح في كبح جماح الأسعار، بل ظلت الانخفاضات الطفيفة في الزيوت والدهنيات بنسبة 2,4% والحليب والجبن والبيض بنسبة 0,2% مجرد أرقام لا تكاد تذكر أمام تسونامي غلاء المواد الأساسية.
ولا يتوقف نزيف القدرة الشرائية عند عتبة الغذاء، بل امتد ليشمل الشق غير الغذائي الذي سجل ارتفاعا بـ 0,6%. وهنا تظهر «المحروقات» كعامل تأزيم إضافي بعدما قفزت أثمانها بنسبة هائلة بلغت 10,7% ، وهو ما تسبب في قفزة مباشرة في تكاليف النقل بنسبة 3,0% خلال شهر واحد وفق البيانات التفصيلية. هذه الأرقام تؤكد أن الحكومة تتجاهل الترابط العضوي بين غلاء الطاقة وغلاء الإنتاج الفلاحي، مما يجعل من تصريحات الوزير مجرد «أمنيات» لا تلامس واقع مؤشر التضخم الأساسي الذي عرف بدوره ارتفاعا بنسبة 1,0% مقارنة بشهر فبراير. وحتى عند المقارنة السنوية، نجد أن الرقم الاستدلالي للأثمان سجل ارتفاعا بـ 0,9% مقارنة بمارس 2025 ، مما يعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
أما جغرافيا، فقد كان «وقع التكذيب» لوعود الحكومة أكثر حدة في بعض الجهات، إذ سجلت المندوبية أهم الارتفاعات في مدينتي كلميم والحسيمة بنسبة بلغت 2,7%، تليها الرشيدية بنسبة 1,8% وأكادير بنسبة 1,6%. كما شهدت طنجة زيادة بنسبة 1,3%، ومراكش والداخلة وبني ملال بنسبة 1,2%. هذا التباين المجالي يوضح أن أزمة الغلاء ليست طارئة، بل هي هيكلية تمس كافة ربوع المملكة، وتناقض تماما الصورة الوردية التي رسمتها وزارة الفلاحة حول «الاستقرار السعري» ووفرة المنتوج بمليارات اللترات من الحليب وأطنان اللحوم التي لا يراها المواطن إلا بأثمنة ملتهبة.ويظهر التقرير الرسمي للمندوبية السامية للتخطيط أن الحكومة تعيش في «برج عاجي» بعيدا عن معاناة المواطنين. فبينما كان الوزير يستعرض عضلات الإنتاج في الملتقى الدولي للفلاحة، ظلت الأسر تواجه حقيقة الأرقام التي لا تكذب مؤكدة تضخما مستمرا، وغلاء فاحشا في اللحوم والخضر والمحروقات.