أهم الأخبار

رحلات إلى المدرسة أم إلى المجهول؟ .. بعد حادثي ورزازات وتزنيت .. النقل المدرسي القروي تحت مجهر أسئلة السلامة

 

عادت حوادث انقلاب حافلات النقل المدرسي في عدد من المناطق القروية بالمغرب لتكشف من جديد عن اختلالات عميقة في شروط السلامة داخل هذا القطاع، الذي تحول من وسيلة داعمة للتمدرس إلى مصدر قلق حقيقي للأسر. فبعد حادثتي غسات بإقليم ورزازات وأنزي بإقليم تيزنيت، ارتفعت الأصوات المطالبة بمراجعة شاملة لواقع النقل المدرسي، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة.
هذه الحوادث المتكررة لم تعد تُقرأ كوقائع معزولة، بل كمؤشرات على خلل بنيوي يطال منظومة يفترض أن تحمي التلاميذ لا أن تعرضهم للخطر. ففي الوقت الذي يُعوّل فيه على النقل المدرسي للحد من الهدر المدرسي، خصوصاً في القرى البعيدة، يجد آلاف التلاميذ أنفسهم يومياً أمام رحلات محفوفة بالمخاطر عبر طرق غير معبدة وفي مركبات تفتقر أحياناً لأبسط شروط السلامة.
واقع الحال يكشف أن جزءاً كبيراً من هذه الإشكالية مرتبط بضعف المراقبة التقنية للحافلات، حيث تُستعمل مركبات في ظروف صعبة دون صيانة منتظمة أو فحوصات دقيقة تتلاءم مع طبيعة التضاريس. كما أن نمط التدبير المعتمد، الذي غالباً ما يُسند لجمعيات بإمكانيات محدودة، يزيد من تعقيد الوضع، إذ يؤدي تعطل بعض الحافلات إلى اكتظاظ مقلق داخل أخرى، ما يضاعف من احتمالات وقوع الحوادث.
إلى جانب ذلك، يطرح عامل الكفاءة المهنية للسائقين نفسه بقوة، حيث يتم في بعض الحالات الاكتفاء برخصة السياقة دون اشتراط خبرة كافية أو تكوين متخصص في قيادة حافلات النقل المدرسي داخل المسالك الجبلية، وهو ما يجعل العنصر البشري أحد أبرز نقاط الضعف في معادلة السلامة.
أمام هذا الوضع، تتجه الدعوات نحو إحداث قطيعة حقيقية مع الأساليب الحالية، عبر اعتماد نموذج أكثر احترافية في التدبير، يقوم على إشراك فاعلين متخصصين، وتعزيز المراقبة الصارمة، وتكثيف برامج التكوين والتحسيس. كما يظل التنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات وجماعات وجمعيات، أمراً ضرورياً لضمان خدمة نقل مدرسي آمنة وفعالة.
في نهاية المطاف، لم يعد النقل المدرسي مجرد خدمة موازية، بل ركيزة أساسية لضمان الحق في التعليم، وهو ما يفرض جعله فضاءً آمناً يحفظ كرامة التلاميذ ويصون حياتهم، بدل أن يتحول إلى مصدر خطر يهدد مستقبلهم.