هناك لحظات تُرهقك لأنك تحمل داخل صدرك حكاياتٍ أثقل من أن تُقال… تقف أمام الآخرين محاولاً ترتيب الكلمات، فتشعر أن اللغة أضيق من أن تحتوي ما مررت به… تحاول أن تختصر الطريق لهم، أن تمنحهم خلاصة المسافات التي أحرقت عمرك وأنت تقطعها… لكنهم ينظرون إليك بعينٍ عادية… بعينٍ لم تختبر ذلك الارتجاف الذي كان يسري في أطرافك كلما تذكرت…
ستحاول أن تشرح لهم كيف يمكن لفكرة واحدة أن تستوطنك… كيف يمكن لذكرى صغيرة أن تتحول إلى مدينة كاملة من الأسئلة… وكيف يمكن لصوتٍ واحد سمعته في لحظة ضعف أن يرافقك سنواتٍ طويلة… ستتكلم… وتتوقف… ثم تعود لتتكلم… لأنك تشعر أن الحكاية لم تصل كما أردت… وأن ما في داخلك لا يزال يبحث عن منفذٍ أوسع… عن صدرٍ يحتمل هذا الفيضان الذي لا يهدأ…
سيظنون أنك تبالغ… سيبتسمون ابتساماتٍ مقتضبة… وربما يربتون على كتفك بكلماتٍ سريعة… كلماتٍ تشبه المسكنات التي لا تعالج شيئاً… وأنت تدرك تماماً أن ما تحمله ليس موقفاً عابراً… وليس حكاية يمكن طيّها عند انتهاء الحديث… بل هو أثرٌ ممتد… أثرٌ تسلل إلى تفاصيل يومك… إلى طريقة نظرك للأشياء… إلى ذلك الحذر الذي صار يسكن قراراتك دون أن تشعر…
ستجلس بينهم كثيراً… ستشاركهم الضحك… وربما تروي نكاتاً لا تثيرك أنت… فقط لأنك لا تريد أن يظهر ذلك الفراغ الذي يسكنك… ستجيد تمثيل التماسك… ستتقن إخفاء الشروخ التي لا يراها أحد… لأنك تعلم أن التعب حين يُعرض على الملأ يتحول إلى حكايةٍ خفيفة على أسماعهم… بينما هو داخلك كان معركة طويلة… معركة لم يكن فيها شهود… ولم يكن فيها تصفيق… فقط أنت… وذاك الصراع الذي كان ينهشك كل ليلة…
ستعود إلى نفسك مراتٍ كثيرة… ستسأل لماذا لم يفهموا… لماذا لم يشعروا بثقل الكلمات وهي تخرج من صدرك… ثم ستدرك شيئاً موجعاً… أن التجارب لا تُنقل كما تُنقل الحكايات… وأن الألم لا يُترجم مهما كانت اللغة بليغة… لأن الشعور حين لا يُعاش… يبقى مجرد حروفٍ مرتبة… مجرد أصواتٍ تمر سريعاً… دون أن تترك خدشاً في القلب…
ستتذكر لياليك الطويلة… تلك الليالي التي كنت تجلس فيها وحيداً… تحدق في السقف وكأنك تنتظر إجابة لن تأتي… كنت تراجع تفاصيل صغيرة… كلمة قيلت بلا انتباه… موقف مرّ مروراً سريعاً… نظرة لم يفهمها أحد سواك… كانت تلك التفاصيل تتضخم داخلك… تتحول إلى دوامات من التفكير… إلى أسئلةٍ لا نهاية لها… وأنت تحاول أن تجد تفسيراً يريحك… تفسيراً يجعل كل ما حدث أقل قسوة…
ستحاول أن تكون أقوى… ستقنع نفسك أن التجاوز ضرورة… وأن الحياة لا تنتظر المتعبين طويلاً… ستنهض… ستواصل السير… لكنك ستشعر أحياناً أن شيئاً ما بقي عالقاً في داخلك… شيئاً يشبه الحنين… يشبه الندم… يشبه الأسئلة التي لم تجد إجابة… وستحمله معك أينما ذهبت… في ضحكاتك… في صمتك… في نظراتك التي يظنها الآخرون عادية… وهي تخفي خلفها تاريخاً من الانكسارات الصغيرة…
ستلاحظ أنك تغيرت… لم تعد تتكلم بسهولة… لم تعد تمنح ثقتك بسرعة… صرت تزن الكلمات قبل أن تخرج… تحسب أثرها… تحسب احتمالات سوء الفهم… لأنك جربت من قبل كيف يمكن لكلمة واحدة أن تفتح جرحاً كاملاً… كيف يمكن لعبارة عابرة أن تعيدك إلى نقطةٍ كنت تحاول الهروب منها…
ستتعلم أن بعض المشاعر تُصان بالاحتفاظ بها… أن الحديث عنها أحياناً يعرّيها أمام من لا يقدّرها… وأن القلب حين يتعب من الشرح… يختار الاختصار… يختار أن يحتفظ بأسراره… لا كبرياءً… ولا تعالياً… وإنما حفاظاً على ما تبقى من توازنه…
ستمر عليك أيام تشعر فيها بأنك تجاوزت كل شيء… ستستيقظ بخفةٍ غريبة… ستبتسم دون سبب… ستظن أن الماضي صار صفحةً بعيدة… ثم تأتي لحظة صغيرة… رائحة… أغنية… مكان… كلمة عابرة… فتفتح الأبواب كلها دفعة واحدة… وتعود الذكريات كأنها لم تغادر… تعود التفاصيل كما كانت… بنفس الدقة… بنفس الارتباك… بنفس الوجع الذي كنت تظنه انتهى…
ستندهش من قدرتك على الاحتمال… من تلك القوة التي لم تكن تعرف أنها موجودة داخلك… ستدرك أنك لم تنكسر كما كنت تخاف… بل تغيرت فقط… صرت أكثر حذراً… أكثر عمقاً… أكثر وعياً بأن الحياة لا تسير دائماً كما نرسمها… وأن الخيبات جزء من الطريق… وليست نهاية الطريق…
ستتعلم أن بعض الناس لن يفهموك مهما شرحت… ليس لأنهم لا يريدون… بل لأن لكل قلبٍ تجربته الخاصة… ولكل روحٍ معاركها التي لا يراها الآخرون… وستتصالح مع هذه الحقيقة تدريجياً… ستتوقف عن انتظار الاعتراف بتعبك… وستبدأ بالاعتراف به لنفسك… وهذا أصعب… لكنه أصدق…
ستمنح نفسك ما كنت تنتظره من الآخرين… ستربت على قلبك حين يتعب… ستسمح لنفسك بالحزن دون خجل… ستسمح لها بالضعف دون أن تشعر أنك خسرت شيئاً… لأنك ستفهم أن الإنسان لا يُقاس بصلابته الدائمة… بل بقدرته على النهوض كل مرة… بقدرته على الاستمرار رغم كل ما يثقله…
ستكتشف أن الرحلات التي تمشيها وحدك… تترك داخلك معرفة لا يمنحها أحد… معرفة تجعلك ترى الناس بطريقة مختلفة… ترى وجوههم وتدرك أن خلف كل وجه حكاية لا تُروى… خلف كل ابتسامة احتمال وجعٍ مخفي… وستصير أكثر رحمة… أكثر تفهماً… لأنك جربت أن تكون في الجهة التي لا يفهمها أحد…
ستصل إلى لحظة تدرك فيها أن الفهم الكامل وهم… وأن القلوب تلتقي أحياناً في المنتصف فقط… لا أحد يرى الصورة كاملة كما تراها أنت… ولا أنت تستطيع رؤية كل ما يسكنهم… وهذه المسافة بين البشر… رغم قسوتها… هي ما يجعل لكل إنسان خصوصيته… حكايته… طريقه الذي لا يشبه أحداً…
ستهدأ داخلياً حين تتوقف عن محاولة إقناع الجميع… حين تقبل أن بعض الحكايات خُلقت لتبقى بينك وبين نفسك… ستشعر بخفة غريبة… كأنك وضعت حملاً ثقيلاً جانب الطريق… وستكتشف أن النجاة لا تعني أن يصفق لك الآخرون… بل أن تنام ليلاً دون أن تضطر إلى تبرير مشاعرك لأحد…
ستواصل السير… ستحمل آثارك القديمة… لكنها لن تعيقك كما كانت… ستتعلم أن الوجع يمكن أن يتحول إلى حكمة… وأن الخيبة يمكن أن تتحول إلى بصيرة… وأن الطرق التي تمشيها وحدك… رغم قسوتها… تصنع منك شخصاً يعرف جيداً معنى الوقوف… ومعنى الاستمرار… ومعنى أن ينجو الإنسان بنفسه… حين لا يجد يداً تمتد نحوه… إلا يده…