في شرحه لعبارة هايدجر «عقل العامة لا يرى العالم بسبب قوة حضور الموجود»، يوضح صلوتردايك أن الأمر لا يتعلق فقط بوعورة هذه العبارة الشهيرة بـ «الاختلاف الأنطولوجي « بقدر ما يتصل بـ» الحرب الأهلية « التي لم تتوقف منذ أفلاطون بين الفلسفة والفكر اليومي العادي . بعبارة أخرى، إذا كان التأمل الفلسفي غير ممكن إلا في تعارضه مع الاستعمال التبسيطي للعقل، فإنه ملزم أيضا بأخذ الموجود في كليته لا في جزئيته وأخذه بنوع من التراجع أو الإبوخي ( الشك والتردد ) كما يقول هوسرل عن التدبير الروتيني للأشياء و الأفكار.
في هذا التراجع لا يتحقق التأمل الفلسفي إلا بالانتقال من الاستعمال السوقي للعقل إلى « حالة الاستثناء « الفلسفية. و لا يمكن لهذا الاستثناء أن ينتقل عبر التعليم والتربية بل اللغة إنما هو خاضع للمزاج. ربما لهذا السبب بدأ هايدجر فلسفته في الوجود والزمن بالخوف والملل. الأول يشير إلى الدهشة التي تزحزح الإنسان العادي في لغته العادية والثاني يحقق نفس النتيجة لأنه يشكل المدخل الرئيسي لوحشية الوجود. لكن ما فائدة هذا العداء بين الخطابين الفلسفي والعادي ؟
«الإنسان قبل أن يكون إنسانا لم يكن إنسانا» بل كان شيئا آخر.
التطور ليس هو السبب العلي إنما هو التفسير البعدي حيث أن الإنسان وجد بعد خلقه في فسحة وجودية يصفها هايدجر كما يلي :» إن الإنسان قد ألقي به « قبل كل شيء في حقيقة الوجود من طرف الوجود نفسه، حتى يحرص «بانوجاده» على هذا النحو، على تلك الحقيقة، وينجلي له الموجود في نور الوجود باعتباره الموجود الذي يوجد… إن قدوم الموجود في نور الوجود يكمن في قدر الوجود. أي أن هذا النور والانفتاح هو الوجود نفسه في هذه الفسحة.» إنه راعي الوجود واللغة هي مسكنه «.
الفسحة هنا شبيهة بمكان أفلاطون «خورا» الذي يقترح له صلوتردايك اسم « الغلاف الجوي الحيوي «.
هذه الفسحة سمحت للإنسان أن ينتقل من وضعية ما قبل الإنسان إلى وحشية الوجود. فسحة يشبهها صلوتردايك ظاهريا بدمار هيروشيما ونكازاكي. لكن لماذا بدا الوجود متوحشا مخيفا ؟ هل صدمة ارتطامه هي السبب ؟ هل هذا هو الألم الأصلي ؟
الإنسان حسب هايدجر هو أكثر الكائنات قلقا. قلق ملتبس يشير إلى ما هو مخيف وإلى ما هو عنيف. وهو قلق يخرجنا من الطمأنينة ويبعدنا عن المألوف والآمن . هناك في الفسحة ظهر الإنسان وتكيف مع محيطه.. هذه البداية العظمى لا يدركها العلم بل تصفها الأسطورة كعنف بدئي لآلية ومكننة تقود الإنسان نحو ما لم يقال بعد وما لم يفكر فيه بعد وما لم يحصل بعد..
الإنسان حسب صلوتردايك منتوج بلا منتج أو آلة بدون مهندس. معنى ذلك أنه نتيجة لصيرورة تطلبت عدة شروط. ففسحة الوجود الهايدجرية والتي من داخلها تمت المناداة على الدازاين ( الموجود هنا ) من طرف الوجود ليست حدثا أنطولوجيا ( وجوديا ) خالصا يصعب تفسيره بل هو أيضا حدث أنتربولوجي ( إناسي ). فالإنسان في البدء كان كزرع دون مزارع وصورة منتوج هذه العملية ليست مفترضة بشكل مسبق. أمام هذه الإمكانيات يؤكد التحليل الأنطو / أنتربولوجي على ضرورة توجيه النظر صوب الميكانيزمات الإناسية التكوينية و التي انطلاقا منها يتم تفسير انبثاق الإنسان للسكن في العالم : التحرر من الوجود – في – المحيط ومكابدة الوجود – في – العالم.
هذه الميكانيزمات الأربعة حسب صلوتردايك هي :
1 ميكانيزم الانفتاح : وهي آلية مناقضة لفكرة الانتخاب أو الانتقاء الدارويني . بحيث تؤكد على تكيف جزء من المحيط مع متطلبات الإنسان / الحيوان وتهيئ ظروف ملائمة للعيش أي للحياة.
2 ميكانيزم «عزل الجسد» : وهي آلية تؤكد على عزل الجسد عن الطبيعة ، أي التحرر من التلاقي المباشر مع الطبيعة واستعمال أدوات وسيطة ( التقنية ).
3 ميكانيزم النيوتين : ومعناه الولادة الهشة إلى فترة النضج الطويلة. من الرحم الطبيعي إلى الرحم الأمومي، إلى الرحم الاجتماعي المعتمد على التقنية.
4 ميكانيزم النقل : وهو المسؤول عن خروج الإنسان من محيطه ( كوكبه) إلى سكنى العالم، وفي هذا النقل هناك تهديد دائم للعودة إلى العدم . ولمواجهة هذه الكارثة تلعب اللغة والديانات والأساطير دور تقريب الغريب المتوحش.
هكذا كانت الفسحة ممكنة لكن ليس بدون ألم.
يطلق على تفسير و تأويل العالم من خلال الألم مصطلح « ألغوديسي» : ألغي تعني الألم وديسي القول في اللاتينية. يخص صلوتردايك في كتابه « نقد العقل الكلبي « فصلا كاملا لهذا التأويل وهذه الميتافزيقا ويعنونه أيضا بمنطق الألم. يضع الفيلسوف الألم هذا في سياق سياسي يهم ألمانيا بعد النكسة وينطلق من وعورة وصلابة الرياضيين النازيين وقدرتهم على مواجهة الألم بنكرانه. إلا أنهم لم يستطيعوا الهروب من مساءلته. لأن لا شيء يثير العقل الميتافزيقي أكثر من الألم وترقب إعلان الموت .
وعليه ألا يمكن للحس السليم بسبب التصاقه بالروتين والرتابة الخوض في مثل هذه الأمور الميتافزيقية ؟ .
Peter Sloterdijk. La domestication de l’être. Mille et une nuits. 2000
Peter Sloterdijk. Critique de la raison cynique. Christian Bourgeois .1987.