ظلت حرب تطوان موضوعا متجددا بامتياز، استهوت المؤرخين المتخصصين والباحثين المهتمين المنتمين لقطاعات علمية متباينة، ليس -فقط- بالنظر لتفاصيلها المثيرة في تغيير موازين القوى بين الضفتين الشمالية والجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، ولكن -أساسا- بالنظر لأدوارها في رسم توجهات السياسة الخارجية للدولة المغربية تجاه مختلف الدول الأوربية المتنافسة حول الهيمنة على المغرب. لا يتعلق الأمر بتوثيق أكاديمي لكرونولوجيا تطور حرب تطوان سنة 1859-1860، ولا بجزئيات المعاهدة التي أعقبتها والمعروفة -تداوليا- ب»معاهدة الصلح» بين المغرب وإسبانيا، بقدر ما أنها رصد لارتدادات هذه الحرب على المدى البعيد داخل الفضاء العام للمدينة وداخل مجمل تفاصيله العمرانية والتجهيزية والاقتصادية والخدماتية والاجتماعية. لقد قيل الشيء الكثير عن هذه الحرب، وأُنجزت حولها لوائح ممتدة من الأطاريح الجامعية والدراسات المونوغرافية سواء داخل المغرب أم بإسبانيا. ومع ذلك، ظل الموضوع يكتسي عناصر راهنيته مادامت الكثير من الجزئيات بقيت متوارية خلف طبقات الرصد والتتبع الحدثيين للوقائع العسكرية والديبلوماسية المباشرة.
في إطار المجهود العلمي الوطني لسد هذه الثغرات التوثيقية للآثار البعيدة لحرب تطوان على إبدالات الفضاء العام للمدينة، يندرج صدور العمل الجديد للأستاذ الطيب أجزول، مطلع سنة 2026، تحت عنوان «تطوان في زمن احتلالها الأول وما بعده (1860-1864) من خلال الوثائق المخزنية والعائلية وشهادات إسبانية وفرنسية»، وذلك في جزأين متكاملين، احتويا على ذخيرة استثنائية من الوثائق الدفينة ومن المظان النفيسة التي لا شك وأن تجميعها وتصنيفها واستثمارها، تطلب من المؤلف الكثير من الصبر ومن الأناة ومن الجهد الموصول والممتد في الزمن. ويمكن القول، بشكل عام، إن العمل الجديد يساهم في إضاءة الجوانب المنسية في سرديات تطوان المرتبطة بتداعيات الاحتلال الإسباني للقرن19، وخاصة على مستوى أشكال التنظيم الجماعي للمدينة في ظل صدمة الاحتلال وتحولات التحديث الاضطراري الذي أضحى ضرورة ملحة في ظل احتكاك البنى التقليدية المحلية المحافظة مع تيارات الحداثة الوافدة في ركاب مشروع الغزو الإمبريالي الجارف. وبهذه الصفة، يسعى الكتاب إلى تغطية الصفحات البيضاء داخل ذاكرة حرب تطوان من أجل ملء الفراغات وتسويد البياضات التي سقطت من بين متون الإسطوغرافيات التقليدية العربية. ولعل هذا ما اختزلته الكلمة التقديمية للكتاب، عندما قالت: «يشكل هذا الكتاب إسهاما في سد فراغ تاريخي طالما لاحظه الباحثون في الدراسات التي تناولت تطوان خلال القرن التاسع عشر، فبينما ركز معظم المؤرخين على حرب تطوان (1859-1860) من منظورها العسكري والديبلوماسي وما ترتب عليها من آثار مالية، بقيت النتائج المباشرة التي لحقت بالمدينة نفسها مغفلة إلى حد بعيد، سواء خلال فترة الاحتلال الإسباني (1860-1862) أو بعد استعادتها من قبل الحكم المغربي (1862-1864). يسعى هذا العمل إلى تسليط الضوء على تلك المرحلة المفصلية التي شهدت فيها تطوان تحولات عميقة في بنيتها الإدارية والعمرانية والاجتماعية والدينية، مستندا إلى مجموعة متنوعة من المصادر، في مقدمتها الوثائق المخزنية، إلى جانب وثائق عائلية نادرة وشهادات إسبانية وفرنسية…».
تتوزع مضامين الجزء الأول من الكتاب بين ستة فصول متراتبة، اهتم أولاها بتتبع مسارات المواجهة المسلحة بين المغرب وإسبانيا أثناء الحرب، مركزا على البحث في العوامل التي كانت وراء الهزيمة المغربية وعلى رأسها ضعف التنظيم ونقص العتاد العصري. وفي نفس السياق كذلك، رصد المؤلف ظروف الاحتلال الإسباني السلمي لمدينة تطوان يوم 6 فبراير من سنة 1860 والذي كان من ورائه تخوف الساكنة من اشتداد حدة الروح الانتقامية لدى القوات الإسبانية، مما كان يهدد المدينة بالتدمير الشامل. وفي الفصل الثاني، انتقل المؤلف للتعريف بتركيبة الإدارة الإسبانية لمدينة تطوان خلال فترة احتلالها (1860-1862)، من خلال التعريف بجهود الجنرال دييغو دي لوس رييوس لوضع جهاز إداري قار وتأسيس أول مجلس بلدي للمدينة وتأهيل مرافقها وقطاعاتها الخدماتية. وفي الفصل الثالث، اهتم المؤلف برصد التغييرات العمرانية التي أدخلها الإسبان خلال فترة الاحتلال، مثل إنشاء «ساحة إسبانيا»، وساحة المسرح، وتحويل زاوية سيدي عبد الله الحاج إلى كنيسة كاثوليكية، وإحداث الطرق والتجهيزات…
وبموازاة مع ذلك، تتبع المؤلف -في الفصل الرابع- جهود الإسبان لتحصين مدينة تطوان بعد احتلالها قصد حمايتها من ردود الفعل المغربية المقاوِمة. أما الفصل الخامس، فخصصه المؤلف للتعريف بالإنجازات التي نفذتها السلطات الإسبانية لأول مرة بالمدينة، مثل إنشاء «مسرح الملكة إيزابيل الثانية»، والذي يعتبر أول مسرح تم تشييده فوق الأرض المغربية، إلى جانب قطاعات هامة من البنيات التحتية للمدينة مثل شبكة الإنارة وشبكة الصرف الصحي. وفي الفصل السادس والأخير من الكتاب، نجد تتبعا دقيقا لملابسات المفاوضات المغربية الإسبانية التي أدت إلى انسحاب الإسبان من المدينة، كما اهتم نفس الفصل بتفسير أسباب تدهور معالم الإنجازات العمرانية بالمدينة بعد خروج الإسبان منها، كتعبير عن رد فعل مغربي غاضب تجاه السياسة الإسبانية الظالمة بتعبيراتها القهرية، مثل التعصب الديني واللغوي ومصادرة الممتلكات وانتهاك الحرمات.
وفي الجزء الثاني من الكتاب، انتقل الأستاذ أجزول إلى تقديم دراسة دسمة حول تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة خلال الفترة التي امتدت إلى نهاية حكم القائد الحاج عبد القادر أشعاش على تطوان سنة 1864، بالتركيز على الجهود التي قام بها المخزن المغربي والمجتمع المحلي من أجل «كنس» آثار الاحتلال الإسباني للمدينة، وذلك استنادا إلى ذخيرة وثائقية مكونة من ما مجموعه 76 رسالة مخزنية تغطي سنتي 1862 و1864، الأمر الذي سمح بمقاربة تفاصيل التحول الدقيق الذي أعاد للمدينة ألقها السابق وتميزها الحضاري ودورها التاريخي داخل محيطها الإقليمي والوطني الواسع. تغطي هذه الوثائق خمسة مجالات أساسية، هي سياقات العودة للنظام المخزني لتدبير شؤون المدينة أولا، وأدوار الحاج عبد القادر أشعاش كحاكم للمدينة ثانيا، وتفاصيل عودة المهاجرين إلى ديارهم عقب تسلم قائد تطوان مفاتيح المدينة ثالثا، وأشكال تدبير شؤون تطوان بعد عودتها إلى الحكم المغربي خلال فترة ما بين سنتي 1862 و1864 رابعا، ووضعية الإسبان واليهود بعد عودة المدينة للخضوع للسلطة المغربية خامسا، ثم تفاصيل مرحلة نهاية حكم القائد الحاج عبد القادر أشعاش وانعكاساتها المباشرة على أوضاع المدينة سادسا.
وفي كل هذه المحاور، ظل الأستاذ الطيب أجزول حريصا على تعزيز عمله برصيد هائل من الوثائق الدفينة المخزنية والعائلية، إلى جانب الانفتاح على أمهات التآليف التاريخية ذات الصلة بالموضوع، من داخل المغرب ومن إسبانيا. وبذلك، نجح الأستاذ أجزول في تقديم إضافة هامة لقضايا حرب تطوان تستحق أن تُصنف إلى جانب الأعمال التأسيسية لرواد الكتابة حول تاريخ المدينة، وعلى رأسهم كل من أحمد الرهوني ومحمد داود. ولا شك أن ملَكة الأستاذ الطيب أجزول في الشغف بماضي تطوان ستظل مثمرة ومنتجة لكل عناصر الخصب التي ستجعل من تطوان أفقا مستداما للبحث وللسؤال وللتنقيب، وفي ذلك أسمى امتنان وأبرز عرفان في الوفاء للذاكرة الجماعية للمدينة، مدينة تطوان النبوغ والتميز والإبداع والتاريخ.