ادب و فكر

حسن برما الرجل الذي أعرفه من زمان

إنه هو .صديق من زمننا الجميل الذي فقدناه. ونحن الآن نعيش زمنا آخر. نحن فقط ضيوف على هذا الزمن الحاضر سنقول كلمتنا ونرحل. ما بقى ما يعجب. لست متشائما. إنما فقط أنصت لنبض هذا الزمان فأحس أنني غريب. ولكن حينما نقيم مثل هذه اللقاءات، وبحضور وجه صديق قديم جديد متجدد، الصديق حسن برما تتجدد الدماء ونحس بأننا مازلنا قادرين على ركوب أمواج الحياة، وأننا مازلنا نمخر العباب وأن أقدامنا لم تطأ الرمال. ما زال الزورق يمخر العباب والمجذاف في قبضة اليد. كيف عرفت صديقي حسن برما أول لقائي به.. كان برما مجرد حروف على ورق الجرائد. كنت أقرأ له القصة. وأعجبني كثيرا أسلوبه المغاير الحداثي المنفلت من تلك الواقعية المفرطة في واقعيتها. إنه أسلوب جديد. شبابي يمتح من الواقع. لكن يشتغل على اللغة بالأساس. قرأته ورقا جريديا. وهكذا كنا في القديم نتعرف على بعضنا البعض عن طريق النشر في الجرائد. لم تكن هناك مواقع تواصلية ولا فيسبوك إلى أن قدم لي الصديق الحبيب الدائم ربي أول مجموعة صدرت لحسن برما بعنوان «الضمير الخائب». التهمتها ولعقت أصابعي من فرط اللذة كما قال رولان بارث في «لذة النص»، مما دفعني الى كتابة مقال عاشق عنها كتحية لهذه المجموعة نشر في جريدة أنوال. وكان ذلك في بداية التسعينيات إلى أن التقينا في معرض من معارض الكتاب وبعدها كانت لقاءاتنا في الملتقيات التي تنظم للقصة إلى أن أنعم الله علينا بنقمة الفايسبوك فأصبحنا أصدقاء افتراضيين بعدما كنا واقعيين. ونحن اليوم في هذا اللقاء نحتفل بآخر إصداراته المتمثل في رواية «حنين الواحة» التي خصصها الكاتب للحديث عن حقبة متميزة من حيوات الحي المحمدي. فحسن برما هو بن الحي. وإن كنا جميعا عباد الحي، فحسن برما هو عبد الحي وابن الحي يعشقه إلى حد العبادة والوله كعاشق مجنون بردهاته. انه الحي المحمدي. قلب البيضاء النابض بالثقافة والفن والأدب والموسيقى والتشكيل والمسرح، وكل ما يخطر على البال. ورواية «حينن الواحة» التي بين أيدينا اليوم والتي كتبت عنها مقالة نشرت في جريدة «البيان «الثقافي هي رواية تسبر غور الحياة في الحي المحمدي. إنها رواية اعتراف بهذا الحي، ورسالة قوية كما هي عادة حسن بيرما الذي لا يهادن. فهي رغم أن الكتابة اليوم ابتعدت عن النقد واحتفلت فقط بالنص والبناء فإن حسن برما ظل محتفظا بالنقد البناء المشاكس الذي لا يقبل الهدنة مع الاحتفال بالنص واللغة والبناء. هذه الرواية صرخة في الوجه، أي وجه كيف ما كان وكيف ما كانت قيمته. صرخة شجاعة في زمن لم يعد فيه للكلمة صدى. أصبحت الصورة هي العصا التي يتوكأ عليها هذا الجيل. جيل لا يملك تاريخا ولا يملك مستقبلا. جيل ضائع في دوامة الفضاء الأزرق الذي يناديه نحو الأعمق وما عنده تجربة ولا زورق وهو الآن يغرق يغرق يغرق… حسن برما لن نوفيه حقه في سطور قليلة فهو رجل كاتب ابن الكلمة والنغمة والحال، ابن البساطة والشعب. مثل رفاق دربه الذين عاشروا با عروب العربي باطما والعائلة الباطمية. إنهم وجوه لها ماض عتيق. غرف برما كما غرف منه الآخرون الذين جاؤوا من كل حدب وصوب وأسسوا نواة حضارة من لاشيء.. من أحياء القصدير.. من كاريان سنطرال الذي سمي به الملك الراحل محمد الخامس ملك كاريان سنطرال، والذي يحمل الان اسمه الحي المحمدي. حينما نقول الحي المحمدي نقول كل شيء. نقول الثورة والفن والادب ونقول حسن برما. حسن برما ابن الحي وهو من أصول دكالية. قاسمي.. حر كالطير الحر. لهذا فهو مشاكس مبدع. صعب المراس. لا يقبل المساومة. ينتقد القبح ولا يقبل أنصاف الحلول. ولكن له قلب طيب. يسع الجميع. وبكلمة وجيزة هو «شريف مخنتر». هذا هو صديقي الرائع حسن برما الذي يشرفنا اليوم بالرغم من أننا شارفين فهو يزيد في تشريفنا. وقبل أن أختم كلمتي أبلغه تحية صديقي الذي يشاكسني في المقهى. صديقي» لصگع لي كيجر كرسي ويبرك وكيفسد على متعة القراءة.»