تاريخ الزوايا والطرقية لم يكن مجرد سردية دينية أو روحية معزولة

عن منشورات “الموجة الثقافية”، أصدر الباحث المصطفى الريس كتابه الجديد “الزوايا والطرقية في المغرب زمن الحماية: إضاءات في التاريخ الاجتماعي والسياسي”، وفيه يرصد أدوار الزوايا الصوفية المعقدة خلال فترة الاستعمار (1912-1956)، مبرزا كيف تحولت الزوايا من فضاءات للعبادة إلى مؤسسات مجتمعية ذات امتداد ترابية وقوة ضاغطة، في فترة وجدت هذه الزوايا نفسها محصورة بين الاختراق الفرنسي من جهة، ومقتضيات المشروع الوطني التحديثي من جهة أخرى، والذي كانت تقوده الحركة الوطنية.
يفكك الباحث المصطفى الريس في هذا الكتاب واحدا من “أكثر الملفات التاريخية تعقيدا وتشابكا، حيث تتداخل فيه الأبعاد الروحية والاجتماعية بالرهانات السياسية والعسكرية. فلم تكن الزاوية في التاريخ المغربي المعاصر مجرد فضاء للعبادة والعزلة، بل كانت مؤسسة مجتمعية مركزية تمتلك امتدادات ترابية واسعة، ورأسمالا رمزيا حاسما يجعلها قوة ضاغطة قادرة على التأطير والتعبئة والوساطة”، كما يرصد “طبيعة العلاقة الثلاثية الأبعاد التي جمعت بين: الزوايا والطرق الصوفية باعتبارها بنى تقليدية مهيمنة، والإدارة الاستعمارية بوصفها سلطة تسعى للهيمنة والضبط، والحركة الوطنية السلفية التي سعت إلى احتكار الشرعية وتحديث المجتمع…”
يقدم الريس قراءة تاريخية-تحليلية تزاوج بين تتبع الوقائع والسياقات، وبين تفكيك البنى الدلالية والخطابية التي صاغت تمثل الزوايا ووظائفها، مع الحرص على وضع الظاهرة في تعددها: الاجتماعي والسياسي والرمزي، متجاوزا بذلك المقاربات التي تختزل مواقف الطرقيين بين “الخيانة والوطنية” أو “المقاومة والمهادنة”، وهي قراءة أسسها عبر استنطاق “الأرشيف الكولونيالي والصحافة الوطنية وتراث التراجم، لفهم “البراغماتية السياسية” التي حكمت تصرفات الفاعلين الدينيين في ظل اختلال موازين القوى”.
في تحليله لهذه المواقف، انطلق الباحث من محاور تحليلية دقيقة أجملها في:
– مساءلة الحصيلة المعرفية الإثنوغرافية والسوسيولوجية التي أنتجتها الإدارة الفرنسية (عبر روادها أمثال ميشو بيلير، أكتاف دبون، وروبرت مونتاني)، موضحا النوايا الخفية وراء هذا الاهتمام، وأنه تأسس على علاقة عضوية بين “المعرفة والسلطة”، لإنتاج معرفة تفكك البنية القبلية والروحية للمجتمع المغربي، وتحول الزوايا من دورها “التعبوي” إلى أداة استراتيجية للـ”التهدئة والضبط الاجتماعي”، موظفا لفهم وتحليل هذه العلاقة “الأطروحة الانقسامية” التي وظفت لتعميق التفرقة.
– دراسة حالات دالة لزوايا كبرى (التيجانية، الدرقاوية في بني زروال والوزانية)، مبرزا تعاطيها واستجابتها للصدمة الاستعمارية، وهنا يتوقف عند تباين هذا التلقي بين فروع زوايا اختارت المقاومة المسلحة، وأخرى لجأ شيوخها (مثل محمود بن محمد البشير التيجاني، وعبد الرحمان الدرقاوي، وعبد السلام الوزاني) إلى “المداهنة والمهادنة” في إطار “واقعية سياسية” يمكن وسمها بـ” المقايضة السياسية” البراغماتية التي تسعى إلى الحفاظ على الكينونة الروحية، والامتيازات المادية، والنفوذ المجالي، وهو ما استغله الاستعمار (الفرنسي والاسباني) مقدما امتيازات مادية وعينية ورمزية لضمان استمرار ولائهم .
-رصد التلقي الوطني للممارسات الطرقية، وفي هذا المحور ركز الريس على موقف الحركة الوطنية التي اتخذت من “السلفية الإصلاحية” سلاحاً فكرياً لتفكيك النفوذ الطرقي، مستعينا في هذا الباب بتحليل الخطابات الصحفية بكل من جرائد “العلم”، “الرأي العام”، “الأطلس”، التي وصمت الطرقيين بـ “المشعوذين” والمتواطئين مع الاستعمار، والمكرسين لثقافة الخضوع.
يتوقف الكتاب في هذا المحور عند إسهامات النخبة العالمة، ومنها أطروحة المكي الناصري في كتابه “إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة”، الذي وجهه لمحاربة بدع الطرقيين في محاولة تسعى إلى انتزاع الشرعية الجماهيرية من الشيوخ لصالح” النخبة الحزبية الحديثة”. وقد نجحت النخبة الوطنية في إحداث نقلة نوعية في الوعي العام بتحويلها الصراع من سجال فقهي تقليدي إلى صراع سياسي وجودي حول ثنائية “الوطنية والخيانة”.
– تنامي المد الوطني والمطالبة بالاستقلال في الأربعينيات والخمسينيات في ظل التعبئة المضادة التي قامت بها الإقامة العامة بإحياء المواسم الطرقية وتحويلها الى “منصات دعائية، والتشجيع على تأسيس طرق جديدة، وتمويل بناء زوايا لضرب وحدة الجبهة الوطنية العريضة واستنزاف المجتمع القروي المادي والسياسي.”
– دراسة حالة شديدة الرمزية؛ وهي اعتقال ومحاكمة شيخ الطريقة الدرقاوية بطنجة أحمد بن الصديق الغماري (سنة 1950) بتهمة تهريب الأسلحة وإثارة القلاقل. وتعكس هذه المحاكمة حجم التناقضات الدولية إبان الحرب الباردة وتخبط الإدارة الإسبانية. كما تبرز التحول البراغماتي في موقف الصحافة الوطنية التي دافعت بضراوة عن الشيخ كرمز نضالي، متجاوزة بذلك خلافاتها السلفية-الصوفية التقليدية في مواجهة آلة القمع الكولونيالية.
يسعى الريس من خلال هذا العمل إلى”إعادة موضعة الزوايا والطرق الصوفية ضمن مسار التاريخ السياسي والفكري للمغرب، بعيدا عن القراءات التبسيطية التي حصرتها في ثنائية الطاعة أو العصيان”. متجاوزا بذلك التصنيفات الإيديولوجية نحو قراءة تتوخى فهم الزوايا بوصفها فاعلا تاريخيا متعدد الأوجه، تداخل فيه الروحي بالسياسي، والمحلي بالكوني، والموروث بالاستعماري”..