لقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية منذ بداية الاهتمام بها بالأوساط الأكاديمية والجامعية المغربية والاسبانية العديد من الاصدارات العلمية والاسهامات الفكرية المختلفة والمتنوعة٬ إلا أن تتبع ورصد ديناميكية هاته العلاقات الثنائية واخضاعها للبحث والتنقيب اقتصر على قلة قليلة من النخبة البحثية المتخصصة بالعلاقات الدولية٬ بالنظر إلى اهتمامها
٬ خلافا للأبحاث والدراسات الكلاسيكية المتداولة٬ بالجوانب الغير المعروفة كفاية عند جمهور المهتمين و المتتبعين والباحثين في العلاقات البينية المغربية الاسبانية٬ نظرا لخاصياتها المتعددة وخصوصياتها المتفردة٬ ومنها أساسا تناقضاتها و مفارقاتها.
التتبع والرصد القائم على البحث والتنقيب يصدر عن الأستاذ والباحث بجامعة محمد الخامس عبد العالي بروكي بعنوان: “المغرب وإسبانيا، البحر والرمال وما بينهما”٬ حيث يندرج الاصدار الجديد عن منشورات “الزمن” سلسلة “شرفات” ضمن فئة الاصدارات المتوسطة الحجم ويقع في 214 صفحة. أما محتويات هذا الاصدار المُنقح فاشتملت على مقدمة مقتضبة وتوزعت فصوله على أقسام معنونة ومبوبة وانتهت بالنهاية بخاتمة موجزة على شاكلة المقدمة المقتضبة، تضمنت في ثناياها مختلف خلاصات البحث والتنقيب، وطارحة بذلك رؤية تقديرية لصاحب الاصدار للحقبة الزمنية موضوع البحث.
الاصدار موضوع الحديث يُعتبر٬ بحسب تعبير الأستاذ الباحث في العلاقات الدولية٬ بمثابة أول دراسة تتطرق بالدرس والتحليل للعلاقات الثنائية الاسبانية المغربية٬ منذ القرن الثامن عشر وإلى غاية العقد الأول من الألفية الثالثة، جاعلة كمحور أساسي كرونولوجي لها اتفاقيات الصيد بين المغرب وإسبانيا. بالجهة المقابلة٬ المساهمة العلمية لم تقتصر في تناولها للعلاقات الإسبانية المغربية لموضوع اتفاقيات الصيد فحسب، وإنما فقط انطلقت منها لتقوم بتحليل أبعادها السياسية في كل مرحلة من المراحل التي تختلف فيها طبيعة العلاقات بين البلدين و موازين القوى والسياقات الدولية التي تؤثر في كليهما.
المُؤَلَفُ موضوع الحديث اعتمد الاقتصاد محدِّدًا محوريا و مؤسسا بالغ الأهمية بالعلاقات البينية بين المغرب وإسبانيا٬ تحديدا اتفاقيات الصيد٬ وبالضبط أدوارها ومساهماتها في بناء علاقات دولية بين المغرب وإسبانيا٬ حيث قام صاحب المساهمة البحثية٬ انطلاقًا من دراسة بحثية ومقاربة تحليلية وقراءة استقرائية٬ بتفكيك هذا المُحَدد وإبراز تجلياته وارتباطاته وعلاقاته بمحدد السياسة بمعادلة العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا٬ بهدف فهم طبيعة وتركيبة علاقاتهما البينية وإدراك حيثياتها٬ وذلك وفقا لمقاربة تحليلية تفصيلية ارتأت الاعتماد على رصد وتتبع وتعقب مسار علاقات المغرب باسبانيا.
الدراسة تناولت كذلك العلاقة بين اتفاقيات الصيد وقضية الصحراء من خلال رصد المراحل التي سبقت التوغل الاسباني إلى الشواطئ الأطلسية المغربية٬ مثلما تناولت أيضا كيفية مقاومة المغرب لهذه الأطماع بشتى الوسائل والإمكانيات٬ انطلاقا من استقلال المغرب وعمله على استرجاع الصحراء وما كان لهذه العملية من تدافعات وتجاذبات مع إسبانيا٬ ثم انتهاء بانضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية التي ستأخذ معها العلاقات المغربية الاسبانية بعدا ثلاثيا تتداخل فيه مجموعة من القضايا والقطاعات، وسيأخذ فيها التعاون الثنائي المغربي الأوروبي والمغربي الاسباني والاسباني الأوروبي أبعاد متعددة و مختلفة.
الكتاب يعد في حد ذاته تأريخا وتوثيقا لحقبة مهمة من تاريخ العلاقات الاسبانية المغربية، بتتبعه ورصده لمسار وتطورات هاته العلاقات الثنائية٬ وتسليطه الضوء على تشعباتها و تداخلاتها، طيلة عقدين من التفاعلات البينية. مثلما يعد مرآة للنظر من خلالها لطبيعة وديناميكية العلاقات البينية بين اسبانيا والمغرب، فضلا عن كونه أيضا – بحسب تعبير المُؤلف – إقناع للجمهور بأن العلاقات المغربية الاسبانية ٬ مهما تعددت الكتابات حولها وتباينت القراءات بشأنها، ومهما تنوعت محاور دراستها وزوايا تناولها، ستبقى علاقات متميزة وحالة خاصة واستثنائية في العلاقة بين الدول التي تربطها علاقات الجوار.
أما مقاربة الكاتب المعتمدة بإصداره فليست إلا إلماما شاملا وتفصيليا بكليات وجزئيات موضوع مساهمته البحثية. أما الاصدار في حد ذاته ، فيعد بالتأكيد مصدرا مهما للمعلومات ومرجعا علميا للبحث ومساهمة قيمة ستغني مما لا شك فيه مكتبة العلاقات الدولية٬ لما يوفره من معطيات وينقله من صور ويصفه من أحداث. كما سيمكِّن قراءه لا محالة من فهم تاريخ هاته العلاقة ومعرفة فصولها الغير المعروفة، مثلما تعد المساهمة خلفية مساعدة على فهم جزء غير يسير من الأحداث التاريخية، لفترة ليست بأية فترة٬ وإنما فترة مُؤسسة لحاضر العلاقات المغربية الإسبانية.
إن هذا الاصدار الجديد يعد بالنهاية مساهمة علمية أسست لثقافة استقصائية في البحوث والدراسات المغربية-الإسبانية في زمن أصبحت فيه معرفة العلاقات المغربية الاسبانية بالغة الأهمية، والتعرف على خباياها وحيثياتها ضرورة لمعرفة توجهاتها المستقبلية نظرا لتحولاتها المستمرة وتطوراتها السريعة. أما صاحب الاصدار الأستاذ و الباحث عبد العالي بروكي فإنه يعد واحدا من أهم الأسماء البحثية المتخصصة في العلاقات المغربية الإسبانية. صدرت له عدة كتب وإصدارات علمية وإسهامات بحثية منشورة بالعديد من الدوريات المتخصصة، مثلما أشرف على عدة ترجمات وعدة أبحاث ودراسات جامعية.