أهم الأخبار

«حين يزهرُ الألمُ في عتمةِ الكينونة» .. قراءة في كتاب «مديح الألم / شذرات في أعطاب الكينونة» للشاعر نور الدين ضرار

من جديد إصدارات الشاعر والمترجم نور الدين ضرار كتاب يضم شذرات تأملية يحمل عنوان: «مديح الألم /شذرات في أعطاب الكينونة».. برؤية فلسفية نابعة عن تجربة حياة موثقة بلمسة شعرية صادقة شفيفة، في طباعة أنيقة عن « دار الفردوس للنشر والتوزيع» بتونس العاصمة وبدعم خاص من وزارة الثقافة التونسية.
الكتاب من الحجم المتوسط يقع في 150صفحة زينتْ غلافَـهُ لوحةٌ فنيةٌ تشكيليةٌ للفنان التونسي عبد العزيز بن نخلة.
يأتي كتاب «مديح الألم» بوصفه تجربة كتابةٍ متفرّدةٍ تنْبنِي على صَوْغٍ شذريٍّ مكثّفٍ، يتقاطع فيه التأملُ الفلسفيٌ العميق مع الحسِّ الشعريِّ المرهف، في محاولة للاقتراب من أعماق الكينونة الإنسانية عبر أكثر تجلياتها حدّةً وصدقًا: الألمُ.
ولا يتعلق الأمر هنا بتسجيل انفعالاتٍ عابرةٍ، ولا بتفريغٍ وجدانيٍّ مباشر، بل بمساءلة وجودية عميقة تجعل الألمَ مدخلاً لفهم الكَينونَة البشَريَّةِ، ووسيلةً للإنصات إلى ما يتوارى خلفَ صخبِ الحياةِ اليومية.
في هذا المؤلَّف، لا يُقَـدَّمُ الألمُ بوصفه عارضًا ينْبغي تجاوزه فحسب، بل باعتباره معطىً أصيلاً في التجربة الإنسانية، وربما شرطاً من شروط الوعيِ بالذاتِ. ومن خلال شذراتٌ مشحونةٍ بكثافة دلالية وتأملية، يشتغل الكاتب على إعادة تعريف علاقة الإنسان بألمه: أهي علاقة نفور ومقاومة؟ أم علاقة مصالحة وتفكيك؟ أم هي في أعمق تجلياتها: علاقة تحوّل تجعلُ من الألمِ طاقةً للمعنى بدل أن يكونَ مجردَ عبءٍ وجوديٍّ؟
تستندُ شذرات نور الدين ضرار في كتابه هذا وفي مجملها إلى رؤية فكرية/روحية تستحضرُ أفقًا فلسفياً يتقاطع- حسب وجهة نظري- مع كتابات نيتشه في تأملاته حول الإنسان، والألم، والتحول،والوجود… دون أن يغادر خصوصيتَه الشعرية في لغته وبنائه.. وتجربته الإنسانية التي تمنحه نبرة داخلية شفيفة، تتقاطع فيها الخبرة الحياتية مع التأمل الهادئ. فالألم هنا ليس فقط موضوعًا للكتابة، بل هو أيضًا مصْدرها وشرطها، وهذا هو ما منحَ الشذراتِ صدقاً داخلياً يتجاوز التنظير إلى العيش المباشر للتجربة.
كما يتميز الكتاب بكونه لا يقدّم إجاباتٍ جاهزةً، بل يفتح أعيُنـنَا على أسئلة كبرى حول معنى الكتابةِ ذاتِـها: هل هي وسيلةٌ لتخفيف الألم؟ أم أداة لتخديره؟ أم أنها في جوهرها فعلٌ وجوديٌّ يعيد للإنسان صلتَه بذاته عبر اللغة؟
وفي هذا السياق، تتحول الكتابة إلى فضاء تأمليٍّ يوازي الألمَ ولا يُلغيه، بل يمنحه شكلاً قابلاً للإدراك والمساءلة.
إن «مديح الألم» ليس ديواناً شعرياً بالمعنى التقليديِّ، بل هو بناءٌ شذريٌّ قائم على التقطيع والتكثيف، حيث كل شذرةٍ فيهِ تنهضُ كوحدةٍ فكريَّةٍ مستقلةٍ، وفي الآن نفسه تنخرط في نسيج كليٍّ يعكسُ رؤيةً متماسكةً منسجمةً حولَ الإنسانِ في هشاشتِهِ وقوته/ في وحدته وعزلته/في قدرته على تحويل معاناته إلى معنى..
وفي النهاية، يمثل هذا العمل إضافةً نوعيَّةً إلى الكتابة الشذريَّةِ العربية المعاصرة، لما يحمله من نضج تأمليٍّ، وعمقٍ في مقاربةِ موضوع مركزي في التجربة الإنسانية، هو الألم، ليسَ باعتبارهِ نقيضاً للحياة، بل بوصفه أحد تجلياتها العميقة، التي قد تقود عند الإصغاء إليها إلى شكل من أشكال التصالح مع الوجود، بل ومدحه.
أقرأ لكم من إحدى شذراته المثبتة في ظهر الغلاف:
«إذا أنت لم تعش الحياة تحت طائلة الموت كما عشت،
وإذا أنت لم تختبر تفاصيل الألم كما خبرت،
فلا داعي البتة لقراءة ما كتبت..
تأسّف، فحسب، على الحياة التي أفلتت منك وحُفَّت بلا ألم،
لا أنت تركتَ ظروفها على عواهنها كما اتفق،
ولا أنت عشتها مشيئة منك كما أردت..
تمنح الحروفُ بتشكّلها ألف جرح مفتوح،
لذا في قراءة الألم مجاهدة كما في كتابة الألم،
والكتابة لا تكون إلا من ألمٍ مشترك، حياة بحياة، وفقرٍ بقدر..
لأنها خسارةٌ معاشيةٌ بالبصيرة أكثر منها معاشية بالبصر..
بدونهما، كلنا من فضلة هذه الأرض بلا سيفٍ ولا أثر..
فلا أحد منا كان المبتدأ كي يكون المنتهى،
ولا أحد منا كان المبتدأ ليكون الخبر.»