
تُعدّ إشكالية الزمن والمكان من المرتكزات المركزية في تحليل الخطاب السردي، لما تضطلع به من دور حاسم في إنتاج المعنى وتوجيه أفق التلقي. وقد أعادت الرواية الحديثة النظر في هذين البعدين، فلم يعد الزمن مجرد تعاقب خطي للأحداث، ولا المكان إطارا ثابتًا لاحتضان الوقائع، غدوا معا بنية دينامية تتداخل فيها الأبعاد النفسية والوجودية والجمالية، بما يتيح للنص السردي أن يعيد تشكيل التجربة الإنسانية في مستوياتها العميقة.ضمن هذا التحول النظري، يكتسب مفهوم «الكرونوتوب» كما بلوره ميخائيل باختين أهمية خاصة، بوصفه أداة إجرائية تكشف عن التلاحم العضوي بين الزمان والمكان داخل العمل الروائي، حيث تتجسد العلاقات الإنسانية وتصاغ داخل وحدات زمكانية مشحونة بالدلالة. فالكرونوتوب يقوم على اندماجهما في صيغة بنيوية واحدة، يتحدد من خلالها شكل التجربة السردية وإيقاعها ودلالتها. وفي هذا الأفق، تستدعي رواية «لحظات لا غير» لفاتحة مرشيد مقاربة تتأسس على هذا التصور، إذ تنبني على كتابة تُكثّف التجربة داخل لحظات محدودة، وتعيد توزيع الزمن داخل الفضاء الروائي وفق منطق شعوري ووجودي. فالنص يعيد تنظيم العلاقة بين الزمن والمكان عبر اقتصاد دقيق للحظة، حيث تنضغط الامتدادات الزمنية في ومضات مكثفة، ويتحوّل الفضاء إلى حامل دلالي يعكس توترات الذات وهي تختبر حدود الجسد، وقلق المرض، وإمكانات الحب.
تفتتح فاتحة مرشيد روايتها بعبارة تتوّج البنية العميقة للنص: «تريث قليلاً أيها الموت . . . إنّي أكتب» (ص5).
هذه الجملة، التي تشبه نشيدا دفاعيا عن الكتابة في وجه الفناء، تضع القارئ مباشرة في قلب إشكالية كرونوتوبية كبرى. فالمفهوم الذي صاغه ميخائيل باختين حول وحدة الزمان والمكان العضوية في العمل السردي يجد في هذه الرواية تجسيدا فريدا، حيث لا يمكن فصل لحظة الكتابة عن لحظة الموت، ولا المكان المادي (العيادة، المستشفى، شقة باريس) عن المكان الوجودي (الجسد، الذاكرة، النص نفسه). الرواية بأسرها تعيد تشكيل الزمن والمكان ككيان واحد متوتر، تتداخل فيه حدود الحياة والموت، الحضور والغياب، البوح والصمت.
منذ الصفحات الأولى، يدخل القارئ إلى عيادة أسماء، الطبيبة النفسانية، حيث يلتقي المريض وحيد الكامل. المشهد الافتتاحي يسجل لحظة دخول وحيد: «جلس قُبالتي قبل أن أذن له بذلك، كانت نظراته حادة فيها من الذكاء ما فيها من التحدي» (ص7). هذا الفضاء – عيادة الطب النفسي – ليس مجرد مكان عمل، فهو يصبح كرونوتوبا مزدوجا: فضاء الفحص المهني الذي يتحول سريعا إلى فضاء المواجهة الوجودية. وحيد الذي يأتي كمريض بحثا عن تشخيص، وكشاعر يختبر قدرة الطبيبة على استيعاب هشاشته. تقول الراوية عن كلماته: «كلماته قطرات عطر معتق.. تتسرب عبر المسام.. تستنفر الحواس» (ص15). هنا، العيادة التي يفترض أن تكون مكانا للتباعد المهني تتحول إلى فضاء حميمي تتدفق فيه المشاعر بكثافة، ويصبح الزمن النفسي هو المسيطر، متجاوزا دقات الساعة. الكرونوتوب الأكثر إلحاحا في الرواية هو كرونوتوب “اللحظة العتبية” – تلك اللحظة التي تسبق النهاية، والتي تعيشها البطلة أسماء وهي تواجه السرطان، ويعيشها وحيد وهو يواجه انتحاره المحتمل، ثم يعيشان معاً لحظة الحب قبل الموت. تقول أسماء في تأمل وجودي: «أحس أحيانا بتعب شديد. تعب من يعي مسبقا ثقل النهايات. قصيرة هي لحظات الاكتمال، نتمناها أبدية ونخافها متى حلت» (ص39). هذه العبارة تلتقط جوهر شعرية اللحظة في الرواية: اللحظة لا تقاس بامتدادها الزمني، بل بكثافتها الوجودية. إنها “لحظة الاكتمال” التي تريد الذات تثبيتها، رغم علمها بعابرية كل شيء. وهنا يتقاطع الزمان (اللحظة القصيرة) مع المكان (أي مكان تتحقق فيه هذه اللحظة، سواء كان عيادة أو مقهى أو غرفة نوم)، ليكونا معا وعاء للخلود المؤقت.
تعتمد الرواية على استراتيجية سردية ذكية في توزيع الأزمنة. فالحاضر السردي يتشظى باستمرار ليفتح أبوابا إلى الماضي، كإعادة بناء للذات من خلال الذاكرة. في أحد المقاطع، تصف أسماء والدها المتوفى: «أفتقد أنامله تلاعب ضفائري وأنا طفلة…نظرات الفخر في عينيه وأنا أؤدي قسم أبقراط. آه، من الفراغ المميت الذي يخلفه موت الأب، إذ يظل رغم مرور السنين يحفر، ويحفر» (ص19). هذا الاسترجاع لمعلومات عن الماضي، يجعل منه حاضرا في مكان الحاضر (غرفة العيادة، أو غرفة النوم في باريس). الزمن يصبح مادة قابلة للتمدد والانكماش: دقيقة واحدة في العيادة قد تحتاج إلى صفحات لسردها، بينما سنوات من الزواج التعيس تمر في أسطر قليلة. هذه اللعبة مع الإيقاع الزمني تعكس رؤية الرواية الأساسية: أن الحياة لا تُقاس بالساعات، وإنما بشدة التواجد في اللحظة
.يأتي المكان في الرواية كمنتج للمعنى وشريك في تشكيل الوعي. خذ مثلاً شقة أسماء: هذا المكان الضيق، بأثاثه المتواضع، يصبح كرونوتوب الحميمية المطلقة، حيث تسقط الأقنعة الاجتماعية وتنكشف الذوات في عريها العاطفي. لكن نفس المكان، بعد وفاة وحيد، يتحول إلى ضريح/المكان نفسه، لكن الزمن المختلف (قبل الموت / بعد الموت) يحوله إلى فضاءين متضادين. هذا هو جوهر الكرونوتوب الباختيني: الزمان والمكان يتحدان ليكونا كائنا حيا يتنفس ويتغير.
من أبرز مظاهر شعرية اللحظة في الرواية، حضور النصوص الشعرية المقتبسة، سواء من شعراء حقيقيين مثل نيتشه وأوسكار وايلد وعزت سراييج، أو من قصائد منسوبة لوحيد الكامل نفسه. هذه النصوص تعمل “ككرونوتوب داخل كرونوتوب” – فضاء نصي داخل الفضاء الروائي، يفتح أبعادا زمنية إضافية. عندما يستشهد وحيد بقول نيتشه: «أليس الشيطان أقدم صديق للمعرفة» (ص134)، حيث يستدعي زمن الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر داخل عيادة الطب النفسي في الدار البيضاء. هذا التداخل يخلق طبقات زمانية متعددة، تجعل من اللحظة الحاضرة وعاء لكل الأزمنة. يحضر الموت كأفق نهائي لكل اللحظات، لكنه ليس نهاية مأساوية بقدر ما هو شرط لإنتاج المعنى. تقول أسماء وهي تتذكر معركتها مع السرطان: «…السرطان هو الزلزال الذي أنقذ روحي من التلاشي. أذكر كيف بقبضة من حديد تحكمت في مصيري وغيرت مجرى حياتي. ربحت معركة المرض وبعدها معركة الطلاق. ولولا اقتحام السرطان حياتي لما عدت إلى الحياة» (ص158). هذه المفارقة العميقة – أن المرض الذي يهدد الموت هو نفسه الذي أعاد الحياة – تكشف عن بنية كرونوتوبية معقدة: المكان (جسدها المريض) والزمن (فترة العلاج) هما اللحظة التي أعادت فيها أسماء اكتشاف ذاتها. الجسد هو كرونوتوب متحرك: يمرض فيتحول الزمن إلى مادة للصراع، يشفى فيتحول المكان إلى فضاء للامتنان. الرواية تقدم أيضا كرونوتوب العتبة المكانية عبر صورة الباب المتكررة. في كل مرة تدخل فيها أسماء إلى عيادة الطبيب أو تغادر شقتها، يتكرر مشهد فتح الباب. هذا الباب الذي يمكن اعتباره لحظة تعليق بين مكانين وزمانين. عندما تقرأ أسماء خبر إقامة وحيد لأمسية شعرية، تتردد قبل أن تذهب إليه، وتصف حالة الترقب: «أمامي ساعات قبل الموعد. ماذا عساني فاعلة بها؟ ولا طاقة لي على الانتظار» (ص90). هذه الساعات التي تسبق اللقاء تصبح زمنا ممتدا، مكانا مؤقتا هو مكان الانتظار النفسي، حيث تتلاشى الحدود بين الغرفة التي تجلس فيها والطريق التي ستسلكه. العتبة الزمكانية هي لحظة الامتلاء الأكثر إيلاما وجمالا في الرواية. يمنح العلاج النفسي -كإطار كرونوتوبي-الرواية بعدا تأمليا. فجلسات التحليل بين أسماء ومرضاها، ثم بين أسماء كطبيبة ووحيد كمريض، ثم انعكاس العلاقة بينهما كعاشقين، كل ذلك يخلق فضاء مزدوجا: فضاء الكلام والبوح حيث يتوقف الزمن العادي ويتدفق زمن آخر، أبطأ وأكثر كثافة. تقول أسماء: «أنا الرومانسية التي أومن بالحب الكبير، بالحب الوحيد والأوحد، بالوفاء المطلق» (ص39). هذه العبارة إعلان عن نوع خاص من الكرونوتوب: كرونوتوب الحب الأحادي الذي يحاول مقاومة التشتت الزمني والمكاني، رغم وعيه بهشاشته. الحب يصبح مكاناً تعيش فيه الذات، وزمانا تقاس به الحياة. في المشاهد الأخيرة من الرواية، عندما يمرض وحيد وتمرض أسماء بدورها، تتكثف شعرية اللحظة إلى أقصى حد. تصف أسماء رعايتها لوحيد في مرضه: «أطعمه، أنظف جسمه، أحلق ذقنه، أقرأ له الشعر وبعض الروايات التي يحبها» (ص165). الفضاء هنا هو غرفة المرض، وهو نفس المكان الذي تحول إلى معبد للرعاية والحب. والزمن هو زمن الانتظار، زمن الأمل المتضائل، زمن العد التنازلي. في هذا الكرونوتوب الحميمي، تسقط كل الفروق المهنية والاجتماعية، ويبقى الإنسان وحده مع إنسانيته. وعندما يموت وحيد، تصف أسماء اللحظة: «هكذا غاب مع الشمس بهدوء.. متحاشيا إزعاجي» (ص167). الشمس التي تغرب هي زمان، والسرير الذي يموت عليه هو مكان، لكنهما معا يشكلان لحظة واحدة لا تتكرر، لحظة ختامية تمحو كل اللحظات السابقة وتجعلها معنى واحدا.
خلاصة القول، إن رواية “لحظات لا غير” تقدم كرونوتوبا فريدا في السرد العربي المعاصر، حيث تذوب الحدود بين الزمان والمكان لتنتج شعرية اللحظة كيانا وجوديا قائما بذاته. كل مكان في الرواية – العيادة، شقة باريس، حديقة لوكسمبورغ، غرفة المستشفى – هو في الحقيقة زمن متجسد. وكل زمان – لحظة الحب، لحظة المرض، لحظة الانتظار، لحظة الموت – هو في الحقيقة مكان تسكنه الذات. هذه الوحدة العضوية تجعل من الرواية نصا يُعاش باعتباره تجربة زمانية مكانية متكاملة.
فاتحة مرشيد لا تروي حكاية عن الحب والموت، تخلق عالماً كرونوتوبياً يعيد تعريف علاقة الإنسان بالزمن والمكان، ويدعو القارئ إلى أن يعيش كل لحظة كما لو كانت هي كل ما لديه، لأنها في النهاية “لحظات لا غير”.