أهم الأخبار

الأدب الأقلي العربي.. اختراع لغات داخل اللغة

يتيح توسيع مفهوم “الأدب الأقلي” كما صاغه جيل دولوز وفيليكس غواتاري في كتاب “كافكا: نحو أدب أقلي” إدراج تجارب عربية كتبت داخل لغتها الأم مع احتفاظها بوضعية “أقلوية” داخل النظام الأدبي ذاته؛ وهي كلها تجارب تتصل بكيفية تحويل اللغة المشتركة (اللغة العربية) إلى فضاء للتجريب، حيث تظهر الكتابة وكأنها “شأن فردي” يبتكر لغته الخاصة داخل اللغة العامة، ويدخل في علاقة توتر مع الأشكال السردية الموروثة ومع القواعد المستقرة للبلاغة الأدبية.
وإذا كان “الأدب الأقلي” كما صاغه دولوز وغواتاري لا ينطوي على مواهب كثيرة، ولا يحفل بـ”أدب المعلمين”، فإن هناك كتابا عربا انحرفوا بلغتهم عن الاستعمال المألوف وفتحوا، من موقع ثقافي أو هوياتي هامشي، مسالك تعبيرية جديدة في قلب اللغة المركزية، حيث تحولت اللغة نفسها، على أيديهم، إلى فضاء للتوتر والابتكار.
ضمن هذا الأفق، اتخذ عدد من التجارب الأدبية العربية من “اللغة المعيار” ميدانا لإعادة تشكيل الحساسية السردية. فقد قدم الروائي المصري عبد الحكيم قاسم في روايته “طرف من خبز الآخرة”، كما في مجموعته القصصية “الأشواق والأسى”، نموذجا لكتابة تستمد قوتها من الشد القائم بين اللغة الفصحى النابعة من القرآن، وإيقاعات العامية الريفية المأهولة بالتوترات المعجمية، مما يمنح النص طاقة سردية تنبع من عمق التجربة الاجتماعية والروحية في الريف المصري، ويجعله قادرا على ملء اشتراطات التعبير الجمعي. أما تجربة الروائي العراقي غائب طعمه فرمان، فتقدم لنا من خلال أعماله الروائية “النخلة والجيران”؛ “ظلال على النافذة”؛ “آلام السيد معروف”؛ “القربان”؛ “المخاض”؛ “خمسة أصوات”؛ “المرتجى والمؤجل”.. إلخ عالما سرديا مشبعا بذاكرة المدن العراقية وبالتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع في القرن العشرين، حيث تظهر اللغة وكأنها تحمل أثرا واضحا للغة كتاب المنفى (ماكسيم غوركي، إنيازو سيلوني، آرثر ميللر، وليم فوكنر، كزافييه دي مونتابين..إلخ) والتجربة السياسية؛ فهي خليط من العامية البغدادية والفصحى، مما أنتج “لغة ثورية” مقارنة مع كل التعبيرات اللغوية السائدة.
في المشهد المغربي تبرز تجربة القاص والروائي نور الدين وحيد، إذ يستحضر بلغة مناطقية خاصة تخييله التوسعي، مما يسفر عن مجموعة لا حصر لها من العلامات اللغوية، ومن التراكيب المدهشة، ومن الصور التعبيرية القوية. فهو في سردياته (“بنات السلطان” و”غدا تكتمل الحكاية”) يكتب بلغة تتكئ على ترك المشاعر تتحرك يمينا وشمالا بارتياح. كما أنه يتشابك مع كل ممكنات النسق اللغوي العام بإنتاج نظام لغوي طاعن في المحلية، مما يجعلنا نقف على لغة تبرهن على أنها مهيمنة النص. فاللغة هي التي تصارع وتسخر وتتهكم وتحتج. وهذا يذكرنا بلغة القاص الأمين الخمليشي في مجموعته القصصية “اشتباكات” التي راهن فيها على لغة تقوم على الالتباس الضميري لمضاعفة المحكي وترميزه. بل إنه يستعمل العربية المغربية التي ينتج عنها إحساس مفرط بالمعنى، ما دام هذا الاستعمال يعبر في العمق عن وعي بعدم الترادف بين اللفظ وما يقابله في اللغة الأخرى، كما يعبر عن معضلة الانتقال إلى وضع الكتابة في سياق لغوي موسوم بالتداخل بين المغربية والعربية، مما أكسب اللغة حياة خاصة، لأنها مشبعة بـ”الكلام” و”التمثيل اللغوي”، إذ لا يمكنها إلا أن تدل على هوية السارد الذي يتميز بمزاج لغوي بوليفوني خاص، أي ذلك السارد الذي لا تهمه رهافة الصياغة ودقة الإحكام، كما أنه لا يعير اهتماما للشكوك والتشنجات اللغوية.
يظهر في هذا الأفق أيضا مشروع القاص أحمد بوزفور الذي جعل القصة القصيرة مختبرا لغويا وسرديا يقوم على التكثيف والتلميح، وعلى الجمع بين ثقافة الحكاية الشعبية وإيقاعات اللغة الشفوية، فضلا عن اللغة القرآنية والشعر الجاهلي، مما يمنح النص القصصي في كل أعماله (“النظر في الوجه العزيز”؛ “الغابر الظاهر”؛ “صياد النعام”؛ “ققنس”؛ “قالت نملة”؛ “إني رأيتكما معا”) طابعا متفردا داخل السرد المغربي الحديث. فهو يشتغل باللغة وعلى اللغة. يقول: “إذا كان من الضروري أن يعبر حرف جر عن العلاقة بيني وبين اللغة، فإني أفضل (في)، أي أنني أشتغل (في) اللغة، وأن اللغة بالنسبة لي ليست مجرد أداة أشتغل (بها)، وليست مجرد موضوع أشتغل (عليه)، ولكنها مناخ عام أشتغل فيه. مناخ تنسجه ذاكرة حافلة بالنصوص اللغوية المتنوعة المصادر: نصوص تراثية، نصوص عربية حديثة، نصوص عالمية مترجمة، نصوص شعبية، نصوص الواقع الاجتماعي الذي أعيش فيه”.
بالنسبة للشاعر والروائي السوري الكردي سليم بركات، فيمثل نموذجا بارزا لتحويل العربية إلى فضاء لغوي متشعب، إذ تتسم كتابته في أعماله الشعرية والروائية، ومنها “هياج الإوز” و”معسكرات الأبد” و”دلشاد”، بكثافة لغوية عالية وبمعجم متخم بالإحالات الأسطورية والتاريخية والشعرية، وهو ما يجعل النص يبدو وكأنه يعيد اكتشاف العربية من الداخل عبر مزجها بخيال ثقافي قادم من هوامش جغرافية وإثنية متعددة.
إن هذه النماذج تكشف عن إمكان قراءة الأدب العربي المعاصر من زاوية “الأدب الأقلي” بمعناه الجمالي، أي بوصفه أدبا ينشأ في تخوم اللغة ويعيد تشكيل بنيتها من الداخل. فالعربية في هذه النصوص لا تظهر بوصفها نظاما لغويا ثابتا، بل فضاء ديناميا يتسع لتجارب سردية متعددة تنبع من الهوامش الاجتماعية والثقافية والجغرافية. ومن ثم، فإن حضور الكاتب في اللغة بوصفه “وافدا” يمنح العلاقة مع الكلمات طابعا استكشافيا يجعل الجملة فضاء للتجريب. ذلك أن الكاتب الذي يدخل اللغة من موقع الهامش يتعامل معها بوصفها أرضا مفتوحة لإعادة الاكتشاف، فتصبح الكتابة، وفقا لذلك، نوعا من اختراع لغة داخل اللغة، أو صياغة لهجة فردية تتشكل في قلب النظام اللغوي المشترك.
من هنا، نستعيد التساؤل النقدي حول الأدب الذي يصدر عن الأقليات داخل النظام اللغوي والثقافي العام (الأدب الفرنكوفوني؛ الأدب الأمازيغي؛ السرد العامي..إلخ)، خاصة أنه أدب يقوم على “تفجير اللغة من الداخل”، أي تحويل اللغة الموروثة إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل بواسطة تجربة ذاتية مشحونة بإحساس الاغتراب، كما يشترط فيها أن تجمع بين ثلاثة عناصر: تموقع أقلوي داخل لغة مهيمنة، ودرجة عالية من تسييس التعبير الأدبي، ثم تكثيف جماعي للتجربة الفردية بحيث تتحول الكتابة إلى صوت لجماعة تاريخية أو ثقافية.
وإذا كان هذا الأفق التأويلي يسمح بإدراج هذه التجارب ضمن ما يمكن تسميته بـ”الأدب الأقلي” داخل العربية، فإن ما يعمّق هذا المنظور هو الانتباه إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بتموقع جغرافي أو هوياتي على الهامش، بل أيضا بكيفية اشتغال الحساسية اللغوية ذاتها، أي ذلك الميل إلى زعزعة العلاقة المستقرة بين الدال والمدلول، وإلى إعادة توزيع السلطة داخل الجملة، بحيث لا تعود اللغة مجرد وسيط شفاف، بل تتحول إلى مادة مقاومة، تتعثر فيها المعاني، وتتولد فيها الانزياحات بوصفها شرطا للإبداع. ذلك أن ما يجمع هذه الكتابات، على اختلاف سياقاتها، هو نزوعها إلى تفكيك وهم الانسجام اللغوي، وإلى إبراز التوترات الكامنة في صلب العربية، سواء على مستوى المعجم أو التركيب أو الإيقاع.
ولا يقتصر “الأدب الأقلي” على لغات السرد، بل يتجاوزها إلى ما تقدمه بعض التجارب الشعرية العربية الحديثة، حيث يظهر الاشتغال على “اختراع لغة داخل اللغة” بشكل أكثر كثافة. ففي شعر أدونيس أو محمد عفيفي مطر، مثلا، تتحول العربية إلى مختبر مفتوح على إمكانات لا نهائية، حيث يتم تفكيك البنية اللغوية التقليدية للقصيدة، وإعادة تركيبها وفق منطق يقوم على الانزياح والتشظي والحقن الثقافي. ذلك أن اللغة هنا لا تسعى إلى نقل المعنى، بل إلى إنتاجه عبر شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل النص فضاء للتأويل المستمر. التشكيل.
إن ما يجمع هذه التجارب، على اختلافها، هو أنها تضع اللغة في قلب المشروع الإبداعي، وتجعل منها موضوعا للكتابة بقدر ما هي وسيلتها. فالأدب الأقلي، وفق هذا المعنى، لا يتعلق بحجم الانتشار أو بعدد القراء، بل بكيفية مساءلة اللغة وإعادة التفكير في حدودها. إنه أدب يشتغل في مناطق التوتر، حيث تتقاطع الذوات والهويات والتجارب، ويحول هذا التقاطع إلى طاقة إبداعية قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التعبير.
ومن ثم، فإن توسيع مفهوم “الأدب الأقلي” داخل السياق العربي يتيح قراءة هذه الأعمال بوصفها محاولات متواصلة لتحرير اللغة من مركزيتها، ولإعادة توزيع السلطة داخلها. فالعربية، في هذه النصوص، لا تظهر بوصفها كيانا مغلقا، بل بوصفها فضاء مفتوحا للتجريب، حيث يمكن لكل كاتب أن يبتكر لغته الخاصة، وأن يعيد تشكيل العلاقة بين الفردي والجماعي، بين الذاتي والتاريخي، بين المحلي والكوني.
من هذا المنطلق، تغدو الكتابة فعلا استكشافيا، ينطلق من الهامش ليعيد تعريف المركز، ويحول اللغة إلى مجال للصراع الخلاق، حيث لا يستقر المعنى، بل يظل في حالة تشكل دائم. ومن ثم، فإن “اختراع لغة داخل اللغة” لا يعني الانفصال عن النظام اللغوي، بقدر ما يعني إعادة الاشتغال عليه من الداخل، وتفجير إمكاناته الكامنة، بما يجعل الأدب فضاء لإعادة التفكير في العالم، وفي موقع الإنسان داخله.