أهم الأخبار

لنتذكر محمد شكري.. الكتابة ضد الدوكسا

 

انخرط محمد شكري في الكتابة انخراطا جوانيا عميقا كما لو أنها عصب الوجود، لحمته وأنفاسه الأساس. لم يكتب في العمق إلا لتنفيذ المهمة الوجودية التي من أجلها وُجد: ان يصير وان يكون الكتابة -الوجود فقط في المقام الأخير. لذا كتب بدم غريب شأنه في ذلك شان المبدعين الرحل الذين لا ينتمون لتاريخ حدد أسلاف ميتون ثوابته، وأقانيمه، بل ينتمون للجغرافيا،وشأن تلك السلالة النادرة من الكتاب -السحرة الذين يجاورون التحولات الألخيميائية والاسرارية الكبرى في أعماق الحياة اليومية ولحظاتها التي قد تبدو للآخرين عادية لكن دون النفاذ إلى أغوارها وتفكيك الكائن، ومساءلة الباطن. يقول كافكا عن الكتابة بأنها الثمن الذي نؤديه للشيطان، وإذا ما نأينا عن المعنى اللاهوتي لهذه الكلمة قليلا، فإن الأمر ذاته يصدق ،في ظل معايير أخرى، على شكري .كانت كتابته الثمن الذي أداه لفضيحة الوجود التي تورط فيها واضطلع بها بكل نبل ونزاهة وأريحية. لم تكن الكتابة بالنسبة له محل الراحة، لم تكن مجرد بريستيج للرقي الاجتماعي والمظاهر الخادعة الزائفة، ولم يتاجر بها كما يفعل الكثيرون، لم تكن الكتابة عنده متعة فائضة على قيمة الوجود، ولا مجرد ممارسة ذاتية نرجسية مسكونة بهاجس التحقق في شهرة أنانية مريضة، أو في مجد ادبي متخيل، او في لعبة للتذكر والنسيان لا تتجاوز اهميتها حدود تلك الألاعيب اللغوية والأسلوبية التي لم تفرز في أغلب الأحيان،غير أدب شبيه بالبيانات الطبية المحايدة التي نجدها في علب الأدوية .لا يمكن أن نصف شكري بأنه كـان كاتبا أصيلا أو حقيقيا او شرعيا ، لم يكن أصيلا لأنه بـــدأ يكتب مــــن فراغ مؤسسà partir du vide، وألقى مع “الخبز الحافي”، بقنبلة إبداعية مسكونة باختلافية عنيدة ويقظة، ألقى بها وسط بركة آسنة ونتنة ،ثقافيا ،أدبيا، سياسيا، واجتماعيا، بركة مترعة حد الغثيان بسلطة الزائف ومظاهره الملونة الخادعة والمتناسلة، ألقى بها دون أن يطرح نفسه كبطل إشكالي، كما حدده لوكاتش العظيم في (نظرية الرواية)، أي كبطل يحمل قيما أصيلة في عالم منهار. لم يكن بطلا ، بل كان جزءا من هذا الزخم الزائف بمشرديه ومقصييه ومنسييه ومثلييه وعاهراته ومدمنيه وهوامشه الاختلافية العنيدة، بطل لأقلية الأقليات وأحد أكبر الثائرين على السلطة الأبيسية في مجتمع يرزح تحت دوكسا العادات والتقاليد والقيم البالية والملوثة، سلطة الخضوع التي تتواشج في اشتغالها السلطة الأسرية بالسلطة السياسية ،خصوصا وأن صورة الأب المخصي (بضم الميم)،كثيرا ما تتواشج في هذا النوع من المجتمعات المحجوزة مع صورة الحاكم-الاب المستبد، وحين بلغ مرحلة القدرة على الكتابة كتب انطلاقا من المظاهر الزائفة لهذا الزخم الذي عاشه/عايشه وجاوره، عبر عنه كما هو بلا مساحيق، ولا رتوش جمالية لغوية، عبر عن الواقع مجردا من الأقنعة التي يضعها كتاب محافظون إبداعيا على عري الواقع لإخفائه.
ولأن الكثير من القراء والمثقفين والمؤولين لا يحبون رؤية وجوههم الذاتية والجماعية في المرآة، فقد اعتبروا “الخبز الحافي” روايته أو سيرته الذاتية، لأن أمر التجنيس الأدبي هنا لا يهم، اعتبروها كتابة صادمة وكان أن تم منعها ومصادرتها، ضمنيا كانت هناك المصادرة لسنوات من طرف السلطة السياسية التي تمارس الرقابة، وكان هناك ارتياح مبطن من طرف بعض المثقفين والكتبة الذين أراحهم اختفاء كاتب مزعج للدوكسا السياسية والثقافية واختفاء كتابه. هذه المصادرة طالت “الخبز الحافي” الكتاب المؤسس لنمط جديد في السرد والكتابة، في دول عربية أخرى. نص أدبي واحد بسيط وصريح يمكن أن يربك سلطا سياسية وثقافية بأكملها، وهنا تتجلى القوة الإبداعية عند محمد شكري العظيم.
لقد أزم كتابه الكثيرين، أربك الكثير من السلط. كان فوكو يقول إن مهمة الفلسفة هي الإضرار بالغباوة، وأن الفكر الذي لا يصيب أحدا بالحزن ليس فكرا. الأمر ذاته، مع مراعاة الفارق والسياق، يمكن قوله عن شكري، لأن الكتابة التي تنكتب بحبر الحياة والوجود، وتنعلن داخل لحمة الوجود، وتقوم بطريقة بالغة الوضوح بتشريح المظاهر الزائفة ثقافيا، اجتماعيا، أخلاقيا، سياسيا، يكون هدفها الرئيس أيضا هو الإضرار بالغباوة…لكن كل هذا بالنسبة لمحمد شكري تحقق أولا وأخيرا داخل الكتابة وانطلاقا منها، بعيدا عن كل ادعاء إيديولوجي كاذب، كما يحدث مع الأدب الذي يخفي كساحه الإبداعي عبر الاستناد لعكازات الإيديولوجيا كوعي زائف ومغلوط…..
“لا خلاص للجهلة “هذا ما كتبه سبينوزا في (رسالة في اللاهوت والسياسة). لقد ناضل شكري نضالا مريرا ومتواصلا من أجل أن يكتب كارثته الذاتية والجماعية، من أجل ان يكتب كوارثنا في أعمال أدبية على درجة كبيرة من الحساسية الإبداعية، أن يكتب فضيحتنا الوجودية كما كان الرفيق الراحل الحسين اسكوري يسميها، صاغ كل ذلك ككاتب أولا وأخيرا لا كواعظ أخلاقي أو منظر اجتماعي أو مثقف يبحث عن حقيقة ما وسط محيط من الأكاذيب والأوهام. ليس شكري، بهذا المعنى أيضا، كاتبا حقيقيا. لقد مزج ما نصطلح مؤقتا وتكتيكيا على تسميته “حقائق”، بزخم هائل من الإبداع التخييلي، وحين كتب حياته أو بالأحرى عن حياته، او شذرات وشظايا منها، لم يكتب “حقيقته “المفترضة”.
حين كتب الروائي الراحل غابرييل غارسيا ماركيث رائعته “مائة عام من العزلة”، استلهم الكثير من الوقائع من طفولته التي قضاها في قرية مطلة على المحيط الهادئ، قرية “اراكاتاكا”، لكن الشيء، “الحقيقي” الوحيد في تلك الرواية التمائمية هو اسم القرية المتخيلة (ماكوندو). كان شكري إرثا بلا ورثة، كان حافيا مثل خبزه الحافي، الخبز الحافي الذي أتذكر في طفولتي بأنه كان يشبه هبة ربانية نعثر عليها بعد العودة من الخارج، الخبز الحافي الذي لم يكن غير عري الحياة، أيضا الحياة الحافية، la vie nue. كان وحده أقلية وهكذا ظل، مع زفزاف وخصوصا مع الروائي والشاعر العظيم محمد خير الدين الذي تقاسم معه الكثير من السمات، وظل أقلية الأقلية بلا أب شرعي، بلا سلالة مؤصلة، أقلية هامشية، اختلافية، متعددة، عنيدة، وإسموية nominaliste، بمعنى أنها هي في حد ذاتها الاسم الذي يطلق عليها ويحددها، إذ يكفي مثلا اسم شكري لتحديد ما نريده. منه ابتدأت هذه الأقلية التي أعلنت/كتبت قتل الأب وانقطاع النسل، لم يكن له مريدون، لا أحد يملك الجرأة لملاحقته في عوالمه السفلية، ظل هناك نائيا، بعيدا جدا عن الدوكسا الثقافية الباحثة عن البريستيج والأنشطة المدرة للدخل والزبونية الثقافية التي تشتغل كشبكات، والتي تضعك امام اختيارين لا ثالث لهما: إما ان تظل أقلية، أن تختار الكتابة انطلاقا من هامشك اليقظ، العنيد والاختلافي، وإما ان تنخرط في الدوكسا وتكتب أدبا لا يزعج أحدا. لعل السمة الأساس هي مزجه الخلاق بين تعاطي شرب المشروبات الروحية او الكحولية والكتابة، وهي سمة ميزت العظماء من الكتاب مثل بوكوفسكي وجون فانتي ،وسكوت فيتزجيرالد، المزج بين ثمالة الكتابة الإبداعية وثمالة النبيذ، الماهية الحمراء العظيمة التي تضيء عتمة الأرواح، كأس نخب الكلمة وكأس أخرى نخب الروح. قد نجد لشكري أشباها في الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية،عند الشرايبي في “الماضي البسيط”، ورواية “حرودة” لبن جلون ورواية “مسعودة” لعبد الحق سرحان، وفي الرواية التمائمية والجوانية الخطيرة “المستشفى” L’Hopital للبوعناني، وغيرها، ولكن لا نجد له أشباها في الأدب المكتوب باللغة العربية باستثناء زفزاف، العظيم الآخر. هذا لأن محمد شكري كان جزيرة ولم يكن جزءا.
اضطلع شكري منذ البداية بوضعه الاعتباري كأقلية، وتلك ظلت سنوات بعد رحيله مآليته. يجب ألا نبتعد عن هذه الرواية أو السيرة الذاتية، الأمر سيان، أي “الخبز الحافي” Le pain nu، قرأتها أول مرة في ترجمتها الفرنسية التي أبدع فيها الطاهر بن جلون، لأنها كتاب سيظل “دائما مستقبليا”، لا فقط لأنه فتح أمام الأدب المغربي الحديث طريقا جديدا في سردية الذات، لا الذات المذوتة بل الذات داخل شبكة علائقية تحولها إلى ذات جماعية، كل شيء سياسي في هذه الرواية بدءا من الرغبة المعلنة في قتل الأب وحتى أبسط تناول للمخدرات. كيف نكتفي بإبداع كهذا هنا في حيزه الاختلافي المتميز حين ينصب الرهان على مستقبل المستقبل؟. صحيح أن الحياة شيء آخر، ولكن “الخبز الحافي”، والأعمال السردية الاخرى لشكري هي من أكثر المحاولات جرأة ونزاهة لمجاورة إبداعية لهذا” الشيء الآخر”، والتعبير عنه.
يذهب بعض القراء والنقدة السيئي النية إلى عدم اعتبار شكري كاتبا، بالنظر إلى لغته البسيطة وأسلوبه شبه العادي، لكن بهذا الأسلوب السهل الممتنع كتب بوكوفسكي وجون فانتي رواية الوجود والحياة في لوس انجليس، وبهذا الأسلوب البسيط القريب من الحياة، كتب سيلين Céline “رحلة إلى أقاصي الليل” وروايات أخرى باذخة مثل Mort à crédit. أما جان جونيه Jean Genet،الكاتب الهامشي والاختلافي الكبير، فصحيح أنه كتب بأسلوب فرنسي متين ورصين تضاهي لغته أساليب القرن 19، كما يرى النقاد، لكن بهذا الأسلوب عبر عن مثليته الجنسية، وعن تمجيده للخيانة، ونزوعه الصوفي للقداسة وعن عوالم المهمشين واللصوص والمجرمين والمتشردين في صحراء الواقع، وعن تعاطفه مع القضية الفلسطينية .كتب جوني الهامش المتمرد المضاد للقيم وللدوكسا، وللمعايير الأدبية السائدة بلغة فرنسية راقية ،حتى يقول للنخبة الثقافية الباريسية، المنتشية بأنانياتها الأوديبية المريضة، بأنه يمكن كتابة حياة الهامش والمهمشين بغير لغتهم اليومية .هكذا تتم مواجهة السلطة والهيمنة داخل اللغة أيضا، وداخل طرق التعبير الاسلوبي، مجابهة فاشية اللغة ،والهيمنة المتفاقمة للمعايير الأدبية والثقافية للسلطة السائدة والتي يسهم في فرضها بعض الكتاب والمثقفين أيضا .هكذا يستطيع التابع le subalterne أن يتكلم، كما طرحت ذلك الفيلسوفة الأمريكية ذات الأصل الهندي سبيفاك Chakravorty Spivak وذلك في سياق الدراسات المابعد كولونيالية وفي The subaltern studies، دراسات التابعين والمهيمن عليهم.
إن مسألة نمط الأسلوب الذي نكتب به، وهذا ينطرح بالنسبة للكتاب المتمردين الثوريين والاختلافيين أساسا لا بصدد الكتاب المستكينين للسلطة الثقافية والفكرية للدوكسا من الذين يراهنون على أخذ الشرعية منها، تظل مسالة سياسية أولا وأخيرا .كان ذلك نوعا ما درس جان جونيه العظيم نزيل قبره البهي في مقبرة العرائش، على ساحل الأطلسي، جوني الذي بحث عن قداسة شبيهة بتلك التي تبنتها ومارستها طائفة “الملاماتية ” التي انتشرت مع انهيار الدولة السعدية والتي كان المعبر عنها ،سيدي عبد الرحمان بالمجدوب قطب ولاية الجماعة المتصوفة التي لامت نفسها على انهيار البلاد وفساد العباد وسقوط العمران. لنستحضر ما قاله المترجمون لروايات دوستوفسكي ووليام فولكنر إلى الفرنسية، من أنهما كتبا بأسلوب كان قريبا من اللغة الروسية العامية بالنسبة للأول، ومن اللغة التي يتكلمها الناس في الجنوب الأمريكي سواء، كانوا بيضا أو سودا بالنسبة للثاني. لقد كتب شكري بلغة عربية بسيطة ووسيطة لا علاقة لها بلغة الجاحظ وكذلك من بين اللغات الدارجة التي تكلمها (الأمازيغية، دارجة الشمال)، والعربية الفصحى التي قرأ نصوصها المشرقية، لغة تمتاح من الحياة وزخمها الحي وهو ما ميز أيضا أسلوب الراحل زفزاف. لقد وجد نفسه أمام استحالة الكتابة بغير تلك اللغة الدالة في وضوحها، في سهولتها وراديكاليتها، ووجد نفسه أمام استحالة الكتابة عن التجربة الوجودية الهامشية والاختلافية بلغة تستمد عناصرها، سماتها ورصانتها المثيرة للسخرية من الرصانة المفتعلة للغة الفقهاء. تلك كانت سياسته، تلك كانت طريقة إسهامه في تحرير الكتابة السردية المغربية من الخضوع للسلطة، لأن السلطة لا تتمرأى فقط في ممارستها اليومية المعلنة، بل تسكن تجاويف اللغة والكثير من الممارسات والخطابات، وليس غريبا أن يلاحـــظ فوكو فـــي مقالـه الشهــير عــــن “أراذل الــناس” أو الأنــذال مــــن الرعــاع والعامـــة Les hommes infâmes، بأن زوجاتهم كن يلجأن لكتاب عموميين ليكتبوا شكايات وتظلمات للملك لوي الرابع عشر بلغة جزلة وراقية بلاغيا، مليئة بالمحسنات والصور البلاغية، تظلمات كن يشتكين فيها من سلوكات أزواجهن، كتبوا شكاياتهم بالأسلوب الذي ظنوا بأن السلطة الملكية تقبله والذي، يليق بها، تلك بعض سمات تمرين الإعجاب بالراحل العظيم محمد شكري وبكتابته الإبداعية الاستثنائية، بعض السمات لا كلها.