أهم الأخبار

«عتبة تشايكوفسكي» للشاعرة أمل الأخضر .. المعنى وتراتيل المرايا

على مدى زهاء الخمسة عشر سنة، بصمت الشاعرة أمل الأخضر حضورها في المشهد الثقافي المغربي بثلاثة دواوين، ديوانها الأول “أشبه بي” (2012) يمكن اعتباره عتبة لترويض أَشَرِعَةِ الشعر من أَجل أن تَنْأى عن السواحل المعلومة وأن تَرْتَادَ جُزُراً تَتَرَاءَى في مجهول الأفق، لذا كان ذلك الديوان الأول : أشبه ب [اصْطِرَاخِ المَخَاضِ].
الديوان الثاني “يدٌ لا تُهَادِنُ” (2021) يتحّول فيه الاصْطِرَاخُ إلى هدأة [إِنْصاتٍ داخلي]، وهو بمثابة خروج من (مِرْآةِ الشَّبيه) إلى ( هويات المختلف ) الذي لا يهادنُ ، واكتشاف الما هو شعري في صميمية الكتابة لا تتفاوض مع   أَيَّةِ (هُدْنَةٍ مُؤَقتة) تَحْجبُ الهدير العالي لِصَخَبِ بحْرِ الوجود، ويمكن اعتبار هذا الديوان  تشييدا لتأمل شعري يستبطن جسور المسافات  الأنطولوجية بين الكتابة والحياة، بذلك السعي الذي يضع الشعر في قلب العالم الحي:
الثقوب العديدةُ التي تهدد موطن القدم
الزلات الكثيرة التي تعثرت بذنوبها
مخاط النَّدم الطويل
الأنين المتقطع لكمات مذبوح
السفر اللانهائيُّ عبر معراج الروح
الروح التي تسبق خطواتنا نحن الشعراء
الشعراء الواقفون على حافة الجنون
[ندوب] ص59/ ديوان “يَدٌ لاَ تهادن”
يُفضي بنا الديوان الثاني إلى تخوم الديوان الثالث “عَتَبَةُ تْشَايكوفسكي” ( 1 ) حيث السَّمادُ الإخْصابِيُّ الذي أَيْنَعَ [ملامح هُوية شِعْريةِ مَجَازيةٍ] تنْبني على مِخْيَالِ اسْتعارات العُزلة، و[مَلامحَ تشكيل إيقاعيٍّ شعريّ] ارتكازه الاستطيقيُّ يَتَشَيَّدُ على تراتيلية الأثر العائد ، كنسيج لِتَشَكُّل المعنى في تَناَسُخَاتِ المرايا المُتَجَاوِرَة، هذه المَحَافِلُ هي التي سَنَسْتَنِدُ عليها في قراءة هذا الديوان الأخير.
مِخْيَالُ اسْتِعَارَاتِ العُزلة:
كُلُّ قصائد الديوان تجعل المكان الشعريِّ فَضَاءً لانْتفاء الذَّاتِ؛ مَسَالكُ وخرائط للمعنى الذي يزُجُّ بالأنا الشعري في تيه المسافات،  وانْبناءٌ للجملة الشعرية كوعي مشائي لا تستكين خطاه إلى أي توقف، كل يقين يصطدم بقَطائعيَّات الشك والوثوقية، معلومٌ يتزاحم بمجهول، ولغة تترحَّل في النّسيان، وتجدُ ذاتها في المحايثة العليا لتلك العتبة اللاَّمرئية بين الوجود والعدم.
يَتَجَوْهرُ هذا المعنى بكثافة دَالَّة في قصيدة “على أطراف أصابعي” [ص120-122]، إذ تتحرك الذات في محيط من العزلة القصوى، تلك العزلة التي تنبني استعاراتها من الشروخ والتصدعات لعالمٍ مٌنْهارٍ، ولوجُودٍ موسومٍ بعدم الاكتمال:
ذاهبةٌ
تركُت وجهي معلقا
على مشجب الباب
تركت يدي مشغولةً
بالتربيت على كتفٍ مخذولٍ
تركت نصفي مائلاً
على سطوح الجيران
ينتظر قدوم الغياب
تركت خطواتي
في ممر البهو الطويل
تذرعه في حيرة وارتباك
تركت المعنى واقفا
على أطراف أصابعي
يريد الارتماء في حضن
اللغة العارية
تَرَكْتُنِي وذهبتُ
ذهبتُ هكذاَ
بلا أطرافٍ وبلا ملامح
البيت الذي هو فضاء (عائليٌ) لدفء الحياة تَطْمِسُ معالمه وَحْشَةٌ مطبقة، العالم خارجه مُقْفرٌّ ، عزلة الذات تنعكس في هوية شبحية بلا صوت وبلا ملامح، والأمكنة جهات مائلة إلى الغياب و النسيان، الحيرة والارتباك لغة الذات .
في مشاهد شعرية متعددة من قصيدة “أمضى في الحب”[ص3-6] مرةً أخرى تتجسد استعارات مخيال العزلة في صورة الأمكنة العارية من الحب، حيث لا نبض يشد قلبا إلى قلب، ولا مشيمةٌ تُشدُّ جَسَداً إلى جَسَدٍ ، ولا بوح ضوء يشد روحاً إلى توأمها. تمتد القصيدة في تنضيد شذري لمتواليات إنشادية، تبتدئ كلها بالعبارة الاستهلالية (أمضي إلى الحب): حيث كل حب هو تَحمُّلُ لِجَسَارةِ الذهاب إلى الخيبات حيث كل حب عزلةٌ مضاعفة. ارتسامٌ لأمكنةٍ تَضِجُّ بزيف العلاقات الإنسانية، وعنف عالم يغترب في أضداده، هكذا تصير العزلةُ مماثلة رمزيا لجمرة الحب المنطفئة  كأن لا عنقاء حياة جديدة ستنبعث من خمُودِ رَمَادِها :
“أمضي في الحي، كمن يمضي إلى حَتْفِه، أكتب وصيتي الأخيرة، وأودي الديون التي عليَّ، وأرتَّب بَيْتي الذي سيزوره المُشيعون بعدي”.
 إلى جانب استعارات العزلة المجسدة في استعارات اغتراب المكان ، وهي موضوعةٌ رمزية في الشعر العربي تمتد من صورة الطلل في القصيدة الجاهلية، إلى خراب المأثر في شعر رثاء الأمكنة (الشعر الأندلسي)، إلى نوسطالجيات شعر المكان –المنفي في القصيدة الحديقة، وفي تبادل النفي بين الذات والمكان في قصيدة النثر. تلجأ الشاعرة في قصيدة “إنهم يتقدمون” [ص51-53] إلى مَنْزِعِ [الاستعارات الأنطولوجية ] التي تجسد العزلة كَمُفَارَقَةٍ مأساوية لاصطدام الإستطيقي الشعري ببشاعة العالم، أو ما سنسميه التعارض بين حلم الكتابة وخطأ الوجود.
في هذا المنزع تضعُ الشاعرة صوت الذَّات في التقابل المرآوي مع الأصوات التراجيدية من تاريخ الإبداع الكوني، تلك الهويات التي عاشت مأساة عزلتها كنوع من الظل الأنطولوجيّ المُفَارقِ والمُدَّمر، سواء تعلق الأمر بفان كوخ، أو دوستويفسكي، أو مايكوفسكي، أو فرجينياوولف:
إنهم يتناسلون
من ضوء المرآة الماثلة أمامي
فان غوخ يحمل بيد أذنا مبتورة
وبالثانية يسحب رصاصة من جوف صدره
ويضحك ضحكا عاليا
مايكوفسكي يخبئُ غيمة في سرواله
ويعبر إلى الجهة الثانية
فيرجينيا وولف تلفظ ما تشربه
الجسد من ماء ووحل
وترمي ما تبقى في جيبها من حجر
أبطال دوستويفسكي ينفضون
ما علق في قلوبهم من درن
ويمسحون دماء غزيرة  سالت على ورق
إنهم يتقدمون، يتقدمون
يا إلهي..
كم عليَّ أن أتحمل؟
في هذا المخيال يَتَسَيَّد الزّمنُ النفسي فاراً من ضوضاء أمكنة العدم ، يتبدَّدُ في لحظات متجزئة من العزلة الداخلية ، في أزمنة السهو والشرود والنسيان والأحلام المؤجلة والذكريات المطمورة في تجاويف الجسد والوعي، تقدم لنا قصيدة “عمر طويل” [ص54-57] تجسيدا اغترابيا لهذه العزلة الداخلية، ويتكرر ذلك في قصيدة “بدون ملامح” [ص72-75] كل شيء يمرُّ ويتبدد في الآن ذاته، كل جملة شعرية هي كَهْفُ اللحظة المارقة المعزولة في صخب الوجود، لا شيء يكتمل في هذه اللغة الشبيهة بالندوب على جسد المعنى، وبالأخاديد الجوفاء في تضاريس الوعي:
تمر الوجوه غائمة في رأسي
بدون ملامح
تمر خيوط النور المتعرجة تتراقص
تمر سحابة أفكار غرقي
تمر أسراب الطير مهاجرة
تمر موسيقى الشباب صاخبة
يمر أبي بشامة ذراعه الأيسر
تمر كلاب القرية الضالة
تمر نعاج الخالة ربيعة تثغو
(…)
أَمُرُّ بأشيائي الأخرى
ويبقى وجهك… البعيد في قعر الحلم
ثابتا … لا يَرِيمُ، لا يتحرك.
تَرَاتيليةُ الأثَرِ العَائِد
 في مرايا الذات :
في (مشكاة المفاهيم) باب: تنظير الذات بالخيال ( 2)، يورد محمد مفتاح حديثا حول (نظرية التناسب العددي ) في “الروض المريع” تلك الصنعة البلاغية التي أدرج على تسميتها [جِنْسِ التكرير العالي] أو [الاكتفاء بالمُقَابل] إحالة على أقيسة “القول المركب من أجزاء فيه متناسبة، نسبة الأول إلى الثالث كنسبة الثاني إلى الرابع، أو نسبة الأول فيه إلى الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع]
نحن لن نورد هنا درسا في البلاغة حول  “التناسب ” في البلاغة والبديع ونظام الكلام ( 3 )، من مساواة ومقابلة، وغيرها من أضرب تكرير القول، سواء على المستوى الصوتي أو التركيبي أو الدلالي مما هو ساطع المبنى والمعنى في ديوان “عتبة تشسايكوفسكي ”  سنتجنب قراءة التناسب من منظور كمي، وذلك من خلال النظر إلى [جنس التكرير العالي] كمشعل لشعريات التناص التي تنظر إلى تكرار باعتباره [أثر عائد] لإيقاع بوسم أنطولوجي لا يكون فيه التكرار من أثر عودة الشبيه، ولكن باعتباره تأسيسا لزمن يتأبد في البدء .
كل قصائد الديوان تصلح نموذجا استدلاليا لقراءة الدلالات المجازية الرمزية لتراتيلية الأثر العائد، ويستحسن من وجهة إجرائية أن نجعل من قصيدة “لا أدعي الغناء” [ص92-98] تمثيلا لهذا الاشتغال الشعري :
لا أدّعي الغناء
[(أدندن طويلا)، (لكني لا أدعي الغناء)]
[(أثرثر كثيرا)، (غير أني لا أدعي الشعر)]
[(أعصر خمرة العمر)، (ولا أدعي الحكمة)]
جرابي عامرة بصنوف الدهشة
وفراشات الحيرة
[ثمة رسوم في عيني) (لا تنام)]
[(ثمة أيضا نجوم) (لا تطفئ)]
[(ثمة دلاء مغموسة في بئر السؤال)]
[(لا تعرف للصعود طريقا)]
(…)
تأخذ الأشياء في صعودها
[(المناديل) (المطوية بعناق الشوق)]
[(السراديب) (الطويلة عن عنق الحلم)]
[(الأيادي) (الممتدة إليه)]
[(الشرود) (المفعم بتفاصيل المكان)]
[(العمر) (الذي لا يتكرر)]
[(المقابض) (الجاتمة على الصدر)]
[(الكراسي) (الفزاعة )]
[(الغصص) (المدفوعة في الرقاب)]
[(عواء) (داخلي سحيق)]
[(ضوء) (ضئيل)]
[يتسرب من الكوات المحدقة من علو بعيد]
[(رقاص بندول) (نحاسي معطل)]
[(خنجر) (صدئ على زاوية مدخنو باردة)]
[(صرير) (حاد لباب عتيق)]
[(دلو) (حماء يترنح في خواء عميق)]
[(خيط) (روح يرتجف. يرتجف)]
(…)
الأفق خفيضٌ
[[تسيل]/ مطر رقيق]
[[تسيل]/ بحات الأصوات المبتهلة لرب كريم]
[[تسيل]/ الألم المستكين في نظرات العابرين]
[[أتأمل]/ العطش الأزرق للنفوس الحيرى]
[[أتأمل]/ وجهك والحنين]
التراتيل وصفٌ مستعارٌ من الطقوس الإيقاعية لإنشادات الابتهال والدعاء والتضرع والاستغاثة والنداء والسَّماع الديني والصوفي المشفوع بجدب الحضرات العليا، وتلاوة الأذكار والصلوات وألحان العناء الشعبي الفولكلوري وطقوس الاستسقاء المطر وغوث اللطيف لدرء الخطر وجنائزيات تشييع الموتى وكل ما لم نأت على ذكره مما هو [طقس تراتيلي].
توقف كثيرا نورثروب فراي عند خاصيات الإنشاد التراتيلي الذي يملأ أشعار إزرا باوند و إليوت و ميلتون،  والذي نجده مستشريا في الشعرية الأساطيرية ذات الطقس التراتيلي الابتهالي هناك حيث يتشكل الأثر الشعري من الانشداد إلى إيقاع استعادي، شبيه بالعودة إلى ذات اللحظة ، وكأن المعنى الشعري تأبد في رمزية الأسطورة والمطلق ، تماما مثل انشدادات  الذات االصوفية في إالمقامات والمنازل العليا لحزب النصر والصلاة المشيشية، وسكرة الخمرة الأزلية في ميمية ابن الفارض، وجوس ديار ليلى في تائية الحراق ، وحلول الأكوان في الذات المحمدية في دليل الخيرات، مواسم الماء في تراتيل الاستسقاء، وسماوات ملوك الجذبة في أغاني الطقس الكناوي، ترتيل الاستغفار والتوبة من دنس الخطيئة الأولى في ملحونية قصيدة اللطفية، انكسارات الجسد والروح في ملحونية قصيدة الشمعة ، بكاء الأندلس المفقود وتردد عزف الكمنجات في ديوان “أحد عشر كوكبا” لمحمود درويش، رثاء الأمكنة في الشعر الأندلسي على لسان ابن عباد أو أبي البقاء الرندي.  الأمثلة فوق العد والحصر، تشهد أن الإنشاد التراتيلي بإيقاعه الطقسي في قصيدة “لا أدعي العناء” كما في الديوان كله، هي بذات المعنى المنصوص عليه في ما ذكرناه من إحالات مرجعية، انشداد إلى [ رمزية التطهير والخلاص]  في الوقت غير الوقت، حين لغة الشعر توقف الزمن في لحظة متأبدة، وقد جعلت الخراب يلحق بعالم الساعات، لتعيد الذات واللغة إلى أول النشأة والكلام .
يمكن اقتفاء ذات الأثر العائد في توالي انتفاء الذات في غيرياتها، من خلال المراوحة المستديمة في استعارة  [المكان الفارغ] حيث كل شيء ينفلت من القبض ويتلاشى، وفي هذا الألم الذي يضاعف فراغ الأمكنة، ثم انبناء عمارة القصيدة شبيهة بحلم معلق إلى سماء خفيضة، حلم بلا جسور للوصل  ولا مراقي للتسامي، حلم يصطدم باستحالة المعراج، وينكفئ على خيباته يجتر الألم السيزيفي للخطيئة والسقوط في رمزية الخيال الشعري الكوني .