أهم الأخبار

أصداء أصوات غافية .. الفن مفتونا بالمرأة «المستحمات» أنموذجا

أضع بين أيديكم مقطوعة شعرية بديعة لشاعر التشبيه الأول في اللغة العربية الشاعر الأمير: عبد الله بن المعتز، عن امرأة تستحم: (المستحمة)، وستكتشفون بهاء الصورة، وبراعة التعبير، وإصابة الوصف والتشبيه. فالمرأة الموصوفة هنا، أرق من الهواء وأشف من الماء. وهي إحالة -بلا ريب- على معيار جمالي هيمن على الذائقة الجمالية، والموقف الاجتماعي لدى النخبة والأوساط المخملية في الأقل. أي أن الرقة والهيف والرشاقة، والقوام الخيزران، وغصن البان، كانت من سمات وأمارات الحسن والجمال في العصر العباسي، والعصور التالية على عكس العصر الجاهلي الذي احتفى بمعيار السمنة والبدانة والبياض والشعر الفاحم، وأعلى من توصيف «البهكنة»، والهيام بها.
وهو – لعمري- معيار يسري ويتحكم في الثقافة الحسانية الصحراوية مما يدل على وشيجة وصلة، وعروة وثقى بين قيم العصر الجاهلي وقيم الثقافة الصحراوية لأنها قيم مشتركة أنتجتها الصحراء المترامية، والبيئة البدوية التي تنتصر للمرأة «الكسلى» المرأة المغناج، المرأة المخدومة، المرأة «نؤوم الضحى».
يقول الأعشى في معلقته الشهيرة، واصفا ومتغزلا بصاحبته هُرَيْرَةَ:

يكاد يصرعها لولا تشددها إذا تقومُ إلى جاراتها الكَسلُ
إذا تقوم يَضُوعُ المسك أَصْوِرَةً والزَّنْبَقُ الوردُ من أرْدانِها شَمِلُ.

لِنَعُدْ إلى العصر العباسي، وَلْنَقْرَأ مقطوعة ابن المعتز في وصف المستحمة مناط كلمتنا هذه:

نَضَتْ عنها القميصَ لِصَـبِّ ماء فوَرَدَّ خـدها فَرْطُ الحيـاء
وقابـلـت الهـواءَ وقد تـَـعـَــرَّتْ بمعتـدلٍ أرَقَّ من الهـواء
وَمـدَّتْ راحـةً كالمـاء مـنـهــا إلى ماءٍ مُعَدٍّ في إنـــاءِ
فلما أنْ قَضـتْ وَطَراً وهـَمَّتْ على عجـلٍ بأخـذ الرداء
رأت شخصَ الرَّقيب على التَّدَاني فأَسْبَلَتِ الظلامَ على الضياء فغاب الصبـحُ منها تحت ليـلٍ وظل المـاءُ يقطرُ فوقَ ماءِ

وهذا أبو تمام سيد الابتداع والمجاز الفاره، يصف امرأة في نحافتها إلى حد الاستحالة، فيقول:

من الهَيْفِ لو أن الخلاخلَ صُيِّرتْ
وِشاحا لها، جالتْ عليها الخلاخلُ

ولنا أن نعلم أن الفنان الفرنسي الكبير أوغستْ رُونْوَارْ (عاش في القرن التاسع عشر)، كرس للنساء وخصوصا العاريات والمستحمات، لوحاتٍ صنعت مجده التشكيلي، وتاريخه الفني الخصوصي. وهي اللوحات المعروفة بالاسم نفسه: «المستحمات» les baigneuses مع تنويع الإضافة الدلالية والمعنوية:

Baigneuse au griffon 1870.
Baigneuse après le Bain 1872.
Baigneuse assise sur un rocher 1882.
Baigneuse Blonde 1882.
Baigneuse s’ssuyant la jambe 1910.
Baigneuse 1913.

فانظر ماذا يفعل فعل الاستحمام النسائي بالشعر والتشكيل، وبالرجال، و» الفحول «. ولعل صديقنا الشاعر حسن نجمي أن يكون قد اطلع على لوحات رُونْوارْ، وقرأ شعر ابن المعتز، أو أبي نواس ـ في رواية أخرى ـ ما أوحى إليه بدمغ ديوان شعري جميل وطريف ولطيف في بابه، بِ: «المستحمات». فهل انتبه النقد الذي تناول عمله الشعري، لذلك، للتناص البديع والذكي؟ إنه مجرد سؤال. وهو الديوان الشعري الذي فاز بجائزة روكا فليا الإيطالية العام 2009.
تجب الإشارة – في الأخير- إلى أن وَلَعَ الثقافات القديمة والحضارات العتيقة بصورة المرأة عارية على النهر أو غاطسة فيه، مستحمة في موشور فضته وضوئه، ثابت ساطع في الألواح والجلود والحجارة والكهوف، والمعلقات، والغزليات، و.. واللوحات.

تنويه: تجب الإشارة إلى أن الأبيات البديعة
فوقه في وصف امرأة تستحم، تنسب أيضا للشاعر الهائل أبي نواس. فالتنازع قائم، وهو تنازع ـ كما لا يخفى ـ من صنع الرواة.