منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، كانت الماركسية تُشيِّد خطابها النقدي ضد الرأسمالية وتؤسّس لتصوّر اشتراكي بديل، بينما كانت البنيوية تنقّب في البنيات العميقة للمجتمعات، وفي القواعد التي تُوجِّه الوعي من خلف ستار. غير أن البنيوية، في أصلها السترواسي، لم تكن مشروعًا ثوريًا بقدر ما كانت محاولة لإعادة رسم حدود الفهم الإنساني داخل شبكات من العلاقات المضمَرة. ومع ذلك، فإن سعي بعض المفكرين، وفي مقدمتهم ألتوسير، إلى إدماج البنيوية في أطر الماركسية، أدّى إلى ما يشبه «التحوير الإيديولوجي» الذي شوّش على نَفَسها العلمي الأول.
أمام هذا الانزياح، ظهر كلود ليفي ستروس، في محاضراته وظهوراته التلفزية، يستعيد الجذور المعرفية للبنيوية، مُبعدًا عنها ما علق بها من تأويلات، ومؤكدا أن مهمتها ليست إعادة صياغة التاريخ، بل إعادة تفكيك أنماط النظر إلى الإنسان والعالم. لكن التحول الأعمق في فكره لم يتبلور إلا خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ يشدّد، كما سجّل عدد من السوسيولوجيين، على ضرورة إعادة التفكير في الديمقراطية من داخل أسئلتها الأنثروبولوجية، وعلى أنسنة المقاربة البنيوية بدل اختزالها في آليات وقوانين صمّاء.
في هذا الإطار برزت أسئلة غير مسبوقة في أفق تفكيره، من بينها نهاية الاحتكار الغربي لمركزية الثقافة، حدود النسبوية الثقافية حين تلامس المعضلات الأخلاقية، وشكل القرابات الجديدة التي تنسجها الإيديولوجيات الحديثة وهي تعيد تشكيل صور المعنى والانتماء. فستروس لم يعد معنيًّا فقط بتحليل البنى، بل صار ينقّب في مصير الإنسان داخل عالم تذوب حدوده وتتصادم سردياته.
وفي محاضراته التي أُلقيت في الجامعات اليابانية، وجُمعت لاحقًا في كتاب «الأنثروبولوجيا في مواجهة مشاكل العالم الحديث»، يلمس القارئ منذ الصفحات الأولى أن ثمة خيطًا ناظمًا يعبر كامل المشروع: علاقة معقّدة ومتداخلة بين العرق والتاريخ والثقافة، لا ككيانات معزولة، بل كشبكات حية تتبادَل التأثير، وتُعيد إنتاج أنماط جديدة من «الإنسية» في عالم تبدو سرعته وتحوّلاته أكبر من قدرة النماذج التقليدية على ضبطه.
هكذا تتشكل فلسفة ستروس المتأخرة. فلسفة تقف عند تخوم الأنثروبولوجيا، لتسائل منطق الهيمنة الثقافية، وتفتح أفقًا نقديًا يعيد للإنسان مكانته داخل عالم يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تواضعًا معرفيًا وإعادة تفاوض مستمرة حول معنى العيش المشترك. وفي مواصلة نقده للجذر التاريخاني الذي شيَّد عليه الغرب سرديته الثقافية الكبرى، يكشف ليفي ستروس عن لحظة أفول أخلاقي مدوٍّ، لحظة تنهار فيها «الفكرة المثالية» التي رأت في ذاتها النموذج الأعلى للحضارة. تلك الفكرة التي سُكِبت على مرّ العقود في قالب التقدم العلمي والرفاه الاجتماعي ومؤسسات الحرية، بوصفها وعدًا بالسعادة للإنسان الحديث، فإذا بها تتحول إلى مرآة تعكس عمى حضاريًا لا يرى ذاته إلا مُكتملة ومتفوقة.
انهيار المركز:
الغرب في مأزق الإنساني
يذكّر ستروس بأن القرن العشرين، بما حمله من أيديولوجيات شمولية، وحروب عالمية، وإبادات جماعية، قد فجّر هذا الوهم من الداخل. إذ لم تُنتج العقلانية العلمية سوى أدوات قتل أكثر دقة، ولم تُثمر المؤسسات الفلسفية والسياسية للغرب «إنسية» جديدة، بل أنساقًا شكلية تخفي هشاشتها تحت طبقات من الخطاب الحقوقي والأخلاقي. لقد ظهرت القيود القيمية في قلب الحضارة ذاتها، ككدمات لا يمكن إخفاؤها، وأظهرت أن نموذج «التفوق الإنساني» الذي بشّرت به الحداثة ليس سوى قشرة تغلّف فراغًا أخلاقيًا متسعًا.
ومن بين أخطر ما يشير إليه ستروس، وهو يقرأ تحولات عصره، أن التهديدات التي تواجه المجتمعات الحديثة لم تعد سياسية أو عسكرية فقط، بل تهديدات بنيوية لأسس الحياة ذاتها: تلوث الأرض والهواء والماء، انحسار الموارد، وتفكّك شروط الاستمرارية البيولوجية والأخلاقية للإنسان. وفي ظل هذا الانكماش الوجودي، تتضخم بيروقراطيات الدولة الحديثة، فتتحول من آلية تنظيمية إلى جهاز طفيلي، يلتصق بجسد المجتمع ويشلّ حركته بدل أن يضمن حيويته.
أمام هذه الأزمة المركبة، يرى ستروس أن الحضارة الغربية وصلت حدود نموذجها، ولم يعد بوسعها أن تقدّم نفسها بوصفها مثالًا قابلاً للتعميم. لقد استنفدت أدواتها، واستنفدت معها القدرة على الإلهام. من هنا ينبثق السؤال الجذري الذي يطرحه:
أليس من الضروري إعادة توجيه النظر، وتوسيع أفق التفكير خارج السجون المفهومية التي حبسنا أنفسنا فيها؟
ألا يجب أن ندمج تجارب وثقافات أخرى، طالما احتُقرت بدعوى التخلف، في محاولة لفهم الشرط الإنساني من جديد، لا من مركز واحد بل من تعددية منفتحة؟
فالأنثروبولوجيا، كما يشدد ستروس، هي العلم الوحيد القادر اليوم على فتح هذا الأفق، لأنها لا تتعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا متعاليًا على شروطه، بل بوصفه جزءًا من شبكة من الثقافات والتجارب والتواريخ المتوازية. في حين تبدو بقية العلوم الاجتماعية أسيرة اللحظة المعاصرة، لا ترى إلا ما هو أمامها، ولا تملك الأدوات اللازمة لاستشراف إمكانات أخرى للعيش البشري.
هكذا تصبح أزمة الغرب، في قراءة ستروس، ليست أزمة حضارة بعينها، بل أزمة في وهم المركزية ذاته: مركزية الإنسان، مركزية العقل، مركزية الحداثة، ومركزية النموذج الأحادي للعيش. ومن قلب هذا الانهيار، تبرز الحاجة إلى إعادة تفكير جذري في معنى»الإنساني» نفسه، بعد أن أثبتت التجربة أن ما قُدِّم بوصفه خلاصًا عالميًا لم يكن سوى شكل آخر من أشكال العمى المعرفي.
الحياة اليومية كأرشيف كوني
يستدعي ليفي ستروس الأنثروبولوجيا في معناها الواسع، لا باعتبارها علمًا يصف الثقافات، بل بوصفها منهجًا يجعل الظاهرة الإنسانية قابلة لإعادة التفكير، ويحرّر المستقبل من سطوة النماذج المغلقة. فالأنثروبولوجيا، في تصوره، ليست مجرد تفكيك للآخر البعيد، بل قراءة لتاريخ الإنسانية كلّها عبر طبقاتها الحية والدفينة، حيث تمتدّ منابعها من الشهادات التاريخية الكبرى إلى العلامات الثقافية التي تشكّل صدى «الروح الأنثروبولوجية» الأصيلة.
وفي هذا الأفق، يبيّن ستروس أن الفكر الأنثروبولوجي لا ينبت فجأة في القرن التاسع عشر كما تزعم السرديات المدرسية، بل يتغذّى من تراكمات طويلة، من فلكلور أوروبا الوسيط وصور «الأعراق البيلينية» الخيالية، إلى تجارب العزلة الاختيارية في اليابان، التي حافظت، داخل الوعي الشعبي، على بنى تخييلية عتيقة شكلت حقولًا خصبة لفهم الإنسان. وهكذا تصبح الأنثروبولوجيا امتدادًا لهذا الإرث الواسع، الذي يشمل أدب الرحلات في فرنسا منذ رايلي ومانتاي قبل أن ينتشر في أوروبا، كما يشمل الرحلات اليابانية التي صنعت «عوالم خيالية بديلة» على غرار رحلة أوي بونبا إلى بلاد هاراشيريا.
ينتقد ستروس الاعتقاد الشائع بأن الأنثروبولوجيا بدأتُها مع القرن التاسع عشر، لأن هذا التصور، في نظره، يحجب سلسلة طويلة من عمليات «جمع التحف» الفكرية والمادية التي مارستها الإنسانية منذ بداياتها. فقد كان الجامعون الأوائل يلتقطون ما نظنّه اليوم «أشتاتًا هامشية»، من معتقدات وأساطير وطرائق عيش، قبل أن تدرك الأنثروبولوجيا لاحقًا أن هذه الشذرات تحمل مفاتيح قراءة أعمق لماضي الإنسان وجغرافيته الرمزية.
ولهذا يستعيد ستروس، من بين منابع هذا الوعي القديم، اهتمام الرحّالة الأوائل بالمعتقدات الكبرى التي صاغت مخيلة البشرية، كجنة عدن، والعصر الذهبي، وعين الحياة، وأطلانطس، والجزر السعيدة. وهي رغم تعددها وتباينها، تنتظم في شبكة رمزية منسجمة أكثر مما توحي به الظواهر “المعقولة” التي استأثرت باهتمام الملاحظين العقلانيين.
ويمتد التحليل عند ستروس ليشمل تفاصيل الحياة الأكثر بداهة، في توزيع الأدوار بين الجنسين في الحِرَف العتيقة كالخزف والنسيج والزراعة، ومعايير اختيار مكان السكن، وأشكال النسب والزواج، وتشعّب الأسرة وتفرّعاتها، وشروط العيش وأنماط التغذية. فهذه العناصر التي تبدو بسيطة، تشكّل، في منظور ستروس، هندسة خفية تُنظّم المجتمعات الإنسانية، وتكشف عن تماثلات بنيوية مدهشة مع التصنيفات الحيوانية والنباتية التي يتعامل بها الإنسان في فهم العالم.
إن دعوة ستروس، في جوهرها، هي دعوة إلى تحرير الأنثروبولوجيا من تاريخها الضيق، وتمكينها من استعادة دورها الأصل، ليس فقط معرفة الآخر، بل إعادة ترتيب أسئلة الإنسان ذاته، خارج مركزية الغرب وخارج سجن الحداثة، عبر الانصات الطويل إلى التجارب التي همّشها التاريخ وازدرتها الحضارة، لكنها تحمل، على غرابتها، نسقًا أكثر انسجامًا من كلّ ما اعتُبر «أساسيًا» في معايير الفكر الحديث.
بين النقاء البنيوي وضجيج الحداثة
يميل علماء الأنثروبولوجيا، في ضوء الرؤية التي دافع عنها ليفي-ستروس، إلى الإنصات إلى ما يسمّيه «المجتمعات البدائية»، لا بوصفها هامشاً خارج التاريخ، بل باعتبارها مرايا كاشفة لبدايات الإنسان وطرائق وجوده الأولى. وعلى خلاف من يرفض هذا المصطلح ويعمّم الانشغال على كل الجماعات الإنسانية، يرى ستروس أن تلك المجتمعات التي لا تعتمد الكتابة ولا الوسائط الميكانيكية الحديثة، تمثل النمط الأكثر نقاءً لاكتناه الكيفية التي تشكّلت بها البنى الاجتماعية عبر ما يغطي في الحقيقة نحو تسعة وتسعين في المائة من المدة الكلية لحياة النوع البشري.
ومن هذا المنظور، تغدو هذه الجماعات، شرقية كانت أو غربية، تجسيداً لوضعية إنسانية مشتركة، مع بعض الاستثناءات التاريخية والثقافية. وكلما تقدّمت الأنثروبولوجيا، ازدادت قناعتنا بأن ما نعدّه اليوم «متأخراً» أو «هامشياً» ليس سوى أشكال أصيلة للحياة، تمتلك قدرة على الاستمرار ما دامت في منأى عن الضغوط الخارجية التي تعصف بالعالم الحديث.
ويضرب ستروس أمثلة تكشف عن حكمة هذه العوالم الصغيرة: فهي تملك، بحكم انتظامها الداخلي، آليات تلقائية لاستبعاد الأوبئة التي تنشأ من الفيروسات المتنقلة. ولأن ارتفاع الولادات فيها يستدعي كتلة سكانية منسجمة لا تقلّ عن مئات الآلاف، فإنها تستطيع موازنة ما يهدّدها دون الحاجة إلى بنى مؤسساتية ضخمة. ثم إن البيئات الإيكولوجية المركّبة التي تعيش فيها، وما تختزنه من تنوّع نباتي وحيواني، ترتبط ارتباطاً وثيقاً باعتقادات وعادات قد نظنها خرافية، لكنها في حقيقتها أنماط عميقة من «العناية بالعالم» سبقت علم البيئة الحديث بقرون.
وعلى هذا الأساس، يقول ستروس إن الظلم كلّ الظلم أن نحاكم هذه المجتمعات من خلال صورها الأكثر هشاشة، تلك التي انتهت إلينا بعد أن نالت منها الصدمات التاريخية. فهي، بالنسبة للأنثروبولوجي، ليست موادّ خاماً يُعاد تركيبها، بل تجارب مكتملة في ذاتها، لا يملك الباحث غيرها، على خلاف الفيزيائي أو عالم الطبيعة الذي يستطيع إعادة تشكيل موضوعه داخل المختبر. هنا، الإنسان هو المختبر، وتاريخه هو التجربة، والجغرافيا هي امتداد الشروط التي تتحرك داخلها ذهنيته.
وبذلك، تُتيح لنا هذه التجارب إمكانية فهم ما يستطيع الإنسان إنجازه اجتماعياً، وكيف تبني الجماعات أنظمتها الرمزية في مواجهة الوقائع الملموسة. فالتفسير العلمي ـ كما يذكّر ستروس ـ لا يقوم إلا على تبسيطات جيدة، إذ كثيراً ما تُظهر لنا الضرورة أنها ليست عبئاً، بل منفذاً للفهم. ومن هنا اهتمام الأنثروبولوجيا بالمجتمعات الصغيرة، لأنها تكشف عن منطق داخلي لا يرى في ذاته بديلاً آخر غير ما أتاحه استقراره التاريخي.
ولا يتردد ستروس في تشبيه مكانة الأنثروبولوجيا بين العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمكانة التي يحتلها علم الفلك داخل العلوم الفيزيائية والطبيعية. فكما مكّنت المسافة الشاسعة بين الأجرام السماوية المراقب القديم من صياغة علم مبكر، مكّنت المسافة الزمنية والثقافية بيننا وبين هذه المجتمعات الباحث الحديث من رؤية أبنية الحياة الإنسانية في بساطتها الأولى. ومنذ القرن الثامن عشر، ومع تنامي البحث في مواقع جغرافية متعددة، بات عالم الأنثروبولوجيا مؤهلاً للقيام بمهمته متى صادف عادات وممارسات وتقنيات لم تتمكن التحولات التاريخية والاقتصادية من محوها، لتكشف بصمودها عن شيء دفين في عمق الفكر الإنساني وفي حياة الأفراد، شيءٍ يذكّر بأن الإنسان، مهما بدا متحوّلاً، يظل محكوماً بآثار بعيدة لا تنفكّ تشكّل معنى وجوده. يتقدّم ستروس، بعد هذا التمهيد النظري، إلى مساءلةٍ حاسمة: هل يمكن، حقاً، أن نحدّد للأنثروبولوجيا مفهوماً دقيقاً يطابق طبيعتها وأفقها؟
ولأجل هذا، يضع مجموعة من القيم التي لا يجوز للحقل الأنثروبولوجي أن يحيد عنها، وفي مقدمتها الموضوعية. فالموضوعية، كما يرى، ليست مجرد فضيلة منهجية، بل هي نقطة البدء التي بدونها لا يستحق أي حقل أن يحمل اسم “علم”. وهي تعني أن يتحرّر الباحث من معتقداته الموروثة، من ميوله الثقافية، ومن الأحكام التي ترافقه كظلّ. وما لم يستطع الباحث الاجتماعي أن يعلّق هذه الأحكام عند مدخل التجربة، فلن يبلغ سوى نسخة جديدة من أهوائه.
لكن الأنثروبولوجيا، عند ستروس، لا تكتفي بتجاوز القيم التي يحملها الباحث من مجتمعه، بل تطلب منه أن يتسامى حتى على طرائق تفكيره نفسها. عليه أن يبتكر صيغاً مشتركة تكون مقبولة لا لدى “الملاحظ الموضوعي” وحده، بل لدى أي ملاحظ محتمل، من أي مكان، وبأي خلفية. وهنا تصبح الأنثروبولوجيا بريئة من تهمة “خنق العاطفة”، لأنها لا تسعى إلى سحق الوجدان، بل إلى إعادة تشكيل مقولاته: الزمان، المكان، التضاد، التناقض… كلها تتحوّل داخل التجربة الأنثروبولوجية إلى أدوات جديدة تسمح بفهم عالم لا يشبه العالم الذي خرجنا منه.
أما القيمة الثانية فهي الشمولية. فالحياة الاجتماعية، كما يؤكد ستروس، ليست فسيفساء مبعثرة، بل نسق يتخلله ترابط عضوي بين أجزائه. ومن ثمّ، فإنّ تقسيم المجتمعات إلى وحدات صغيرة ليس غاية في ذاته، بل خطوة منهجية تساعدنا على رؤية البنية الكبرى التي تنعقد خلف هذا التنوع. وهكذا تشتغل الأنثروبولوجيا على “الثابت” الذي يتخفّى في “المتحوّل”، وعلى الوحدة التي تتوارى خلف الاختلاف.
غير أن ستروس يذكّر بأن الموضوعية المطلقة ما هي إلا أفق بعيد؛ فلا يمكن بلوغها إلا بالقدر الذي يستطيع فيه الفرد أن يمنح الظواهر معنىً يخصّه. وهنا يستشهد بما يحدث في المجتمعات التي تفقد استقلاليتها تحت ضغط وسائط التواصل غير المباشر، من كتب وصور وصحافة وإذاعة وتلفزيون، حيث ينحلّ توازن النظام الرمزي، وينهار تماسك المعنى. ويستدل في هذا السياق بنظرية الرياضي نوربرت فينر، التي ترى أن الجماعات الصغيرة حين يكون التحام أعضائها وثيقاً، تحتفظ بدرجة عالية من الاستقرار، سواء كانت في مدن شديدة التحضر أو في قرى “بدائية” كما تُسمّى. ومن هنا يصل ستروس إلى إحدى أهم المساهمات التي قدّمتها الأنثروبولوجيا للعلوم الاجتماعية: التمييز بين نمطين من الوجود الاجتماعي.
الأول: نمط تقليدي قديم، لكنه في حقيقته نمط مكتمل من الحياة الاجتماعية، تتطابق فيه البنية مع وظيفتها، ويشتغل فيه النظام الرمزي بكامل اتساقه.
والثاني: أنماط حديثة، تبدو متطورة لكنها لا تزال تحمل بقايا مشوّهة من النمط الأول، وتنتج جماعات “فاعلة” في ظاهرها لكنها ناقصة في بنيتها، تعلو سطح مجتمعات واسعة تعاني بدورها من اللافعلية وعدم الاتساق.
وبهذا المعنى، تصبح الأنثروبولوجيا لدى ستروس باباً لفهم ما يجعل المجتمع مجتمعاً، وما يجعل الإنسان إنساناً، بعيداً عن الانبهار بالتطور أو الازدراء للماضي، وقريباً من الإصغاء للبنيات العميقة التي لم تتوقف عن تشكيل مصائرنا منذ الأزمنة الأولى.
الإيديولوجيا كاهتزاز داخل البنية
يبدو كلام ليفي ستروس، حين يضع أمامنا “الحدّ النموذجي للتنوع”، كأنه يُضيء فجوةً خفية في النفس الإنسانية، تلك الفجوة التي تتردد فيها أصوات الماضي وهي تصطدم بأسئلة المستقبل.
هنا، لا يعود تطور الإنسانية خطًّا مستقيمًا كما تخيّله أوغست كونت في ثلاثيته الشهيرة، من الدين إلى الميتافيزيقا ثم إلى الوضعية، بل يصبح تشابكًا هائلًا من السلالات الثقافية، كغابة كثيفة تتصارع أشجارها على الضوء دون أن تلغي إحداها الأخرى. فالأنثروبولوجيا، كما يتصورها ستروس، ليست علمًا للأقنعة والحكايات البعيدة فحسب، إنها مرآة تكشف ملامح عصرٍ يلهث تحت وطأة حتميات جديدة. فإنسان اليوم يقف، لأول مرة ربما، أمام مصير لا يطلب منه الإيمان، بل يطالبه بالنجاة، انفجار سكاني يبتلع الفضاء، هواءٌ يتلوّث مثل ذاكرة منتهكة، ماءٌ يضيق على شهوة الحياة، وكوكبٌ يشيخ بسرعة تفوق شيخوخة التاريخ نفسه.
وفي هذا الهياج الكوني، تنهض الإيديولوجيات، القديمة والجديدة، كأطيافٍ مضطربة: الشيوعية، الماركسية، الشموليات التي ظن العالم أنه تجاوزها، ثم الحركات الدينية التي تشتعل في أطراف الأرض… كلها، في نظر ستروس، ليست سوى صرخات من الماضي في وجه حاضرٍ بلا مأوى. إنها محاولات يائسة لإعادة وصل زمان منقطع، أو لاستعادة صورة عالم كان، ذات يوم، أكثر بساطة وأقل قسوة.
ويدرك ستروس، بعين حكيمٍ لا بعين عالم، أن العالم قد يسير نحو كارثة ديمغرافية أو صدام نووي، وأن رُبعًا متبقّيًا من البشر قد يجد نفسه يعيش على أطراف الحياة، في ظروف لا تختلف كثيرًا عن تلك التي عرفتها الشعوب المنسية التي درستها الأنثروبولوجيا.
ويبدو المستقبل، في نظر فيلسوفنا، وقد خلع ثوب الوعد وارتدى عباءة التحذير، تبدو الأنثروبولوجيا، بحسب ستروس، كأنها تكشف لنا أن الإنسانية، داخل تعددها الهائل، تخضع أيضًا لأشكال من الحتمية الجديدة، أكثر جذرية مما عرفته عبر تاريخها الطويل. حتميات مرتبطة بالانفجار الديمغرافي، بالضغط على الموارد الطبيعية، بانكماش الهواء النقي والماء غير الملوث، وبالتقلص الدائم لما يسميه هايدغر “المسكن الأرضي” للإنسان. إننا نعيش، بتعبير ستروس، أمام أقدار جديدة تتجاوز قدرة التخيل، وتفرض نفسها كقوة صامتة تشكل مصائر البشر.
ثم إن الظهور المدوي للإيديولوجيات الكبرى خلال القرن العشرين، من الشيوعية، الماركسية، الأوتوقراطيات الشمولية، وصولًا إلى الأصوليات الدينية المعاصرة، ليس عند ستروس سوى إعادة تشكيل للعنف الرمزي الناتج عن تحولات الحداثة. فهذه الإيديولوجيات، رغم اختلاف منطلقاتها، تشترك في كونها “رد فعل يائس” على قطيعة حياتية عنيفة، كما يصفها.
ويمكن الاستفادة هنا من كارل ماركس الذي رأى أن الأيديولوجيا تتكثف حين يتعذر على الإنسان فهم التحولات المادية التي يعيشها. وأنطونيو غرامشي الذي اعتبرها “حرب مواقع” داخل البنى الثقافية. وحنة أرندت التي حللت الأنظمة الشمولية باعتبارها نتاجًا لفراغ اجتماعي وروحي أحدثته الحداثة التقنية. تصبح الإيديولوجيا إذن انتفاضة ضد اللايقين، وليست مجرد مشروع فكري أو سياسي. إنها ملاذ نفسي-اجتماعي في عالم فقد قدرته على إنتاج المعنى.
يحذر ستروس من عالم يتجه نحو كارثة ديمغرافية أو حتى حرب نووية قد تفضي إلى فناء ثلاثة أرباع البشرية. هذا التخيل ليس غريبًا عن الفكر الفلسفي الحديث، فـ “فتغنشتاين” رأى أن العالم الحديث ينزلق إلى “مظهر ميكانيكي” يجعل الدمار ممكنًا بقدر ما يجعل الحياة نفسها قابلة للاختزال. وبول فيريليو تحدث عن “حتمية الحادث”، أي أن كل تقدم تقني يخلق بالضرورة شكلًا خاصًا من الكارثة.
ووفق هذا الأفق، فإن ربع البشرية الذي قد يبقى بعد الكارثة، كما يتخيله ستروس، لن يعيش ظروفًا تختلف كثيرًا عن المجتمعات التي درستها الأنثروبولوجيا في أطراف العالم، مجتمعات تعيش حافة الانقراض أو غربة عن نظام العالم. كما يؤكد أن الإنسان لم ينتج تنوعه الثقافي فقط بفعل البعد الجغرافي وخصوصية البيئات، بل أيضًا بفعل الرغبة الوجودية في التميّز والحفاظ على الهوية. ومع ذلك، فالثقافات ليست جزرًا منفصلة، بل أنساق مترابطة لا يمكن تغيير عنصر منها دون خلخلة البنية كلها. هذا الطرح يلتقي مع إميل دوركايم الذي رأى أن العادات والمعتقدات ليست تجليات فردية، بل جزء من “وقائع اجتماعية” لا يمكن تعديلها إلا على امتداد أجيال. أما كليفورد غيرتز الذي طرح مفهوم “الثقافة كنسيج من المعاني” فيتحقق فقط داخل منظومة رمزية مكتملة. بينما يتحدث أنتوني غيدنز عن “النسق الذاتي المرجعي” للمجتمعات الحديثة. كل عادة بهذا المعيار، مهما بدت غريبة أو صادمة لنا هي جزء من نظام متماسك، وشذوذها الظاهر لا يلغي انسجامها الداخلي.
يرى ستروس أن أعمق درس تمنحه الأنثروبولوجيا هو هدم وهم المركزية الثقافية، ذلك الوهم الذي يجعل كل جماعة بشرية تعتقد أن عاداتها هي “الطبيعية”، وأن غيرها “انحراف” أو “بدائية”.
إن وظيفة الأنثروبولوجي ليست الحكم، بل إظهار نسبية المعنى، وشرح كيف أن كل نسق ثقافي يقوم على انسجام داخلي تشكل خلال قرون، بحيث يكون المساس بجزء منه مساسًا بالكل. ويتقاطع هذا الاتجاه مع فوكو حين ينظر لمستوى “نسبية الخطابات” وأن الحقيقة نفسها بنت شروط السلطة والمعرفة. فيما يعتبر ريتشارد رورتي الثقافات “محاولات سردية متعددة” للعيش داخل العالم. بينما ينتقد إدوارد سعيد تمركز الغرب معتبرا “الآخر” اختراعًا ثقافيًا وليس حقيقة موضوعية.
ويمكن التنبيه إلى أن ستروس يضعنا أمام حقيقة فلسفية حادة، حيث لا توجد ثقافة طبيعية، ولا مجتمع طبيعي، ولا اعتقادات سليمة بطبيعتها. هناك فقط أنساق استغرقت قرونًا لتبلغ توازنها الداخلي. والإنسان، في صيرورته الكونية، لا يتقدم نحو نموذج واحد، بل ينحت ذاته عبر التفاوت، الاختلاف، الصدام، والتجربة. ووفق ذلك يصبح درس الأنثروبولوجيا، كما يؤكد ستروس، درسًا في التواضع الفلسفي، درسًا يعلمنا أن المعنى لا يُفرض، بل يُكتشف داخل تعدد العوالم البشرية.
بين الأسطورة والديموغرافيا
يمضي ليفي ستروس، بعد تفكيكه في قسمه الأوّل لوهم “التفوّق الثقافي الغربي”، نحو معالجة أكثر تركيبًا وتعقيدًا لجملة من الإشكاليات التي يعتبرها من “القضايا الجوهرية للعصر”: العلاقة المتوترة بين الجنس والنمو الاقتصادي والفكر الأسطوري، من حيث إنّ هذه الثلاثية تمثّل في نظره نقطة تقاطع بين ما هو بيولوجي وثقافي، وما هو اقتصادي ورمزي، وما هو تاريخي وميتافيزيقي في آن واحد. ويستهل ستروس هذا المبحث بمقاربة لمسألة الإنجاب الاصطناعي، وعلاقات القرابة غير التقليدية، والبنى المستجدة للأسرة المعاصرة، معتبرًا أن هذه الظواهر ليست انحرافًا حديثًا أو استثناءً حضاريًا، بل امتدادًا لأشكال من التدبير الأسري والقرابي عرفتها مجتمعات بدائية ومتوسطة التعقيد، طالما تعامل معها الأنثروبولوجيون بوصفها أنماطًا شرعية لتنظيم التكاثر الاجتماعي.
ويضرب ستروس أمثلة إثنوغرافية دالّة تُستقى من إفريقيا حيث تُزف الفتيات الصغيرات وهنّ حاملات بأطفال من عشاقهن السابقين، ويُستقبل الطفل في بيت الزوجية بوصفه الابن البكر للزوجين الشرعيين؛ أو من مجتمعات أخرى يمنح فيها الزوج نفسه حق الأبوة على كل الأطفال الذين ستنجبهم زوجته مستقبلًا، أكانوا منه أم من غيره. وفي نموذج آخر لدى هنود التوبي-كواهيب في البرازيل، يَظهر شكل فريد من القرابة المركّبة حيث يتزوج الرجل عدة أخوات دفعة واحدة أو بالتتابع، أو يتزوج أمًّا وابنتها معًا، ويجري تقاسم الأمومة وتربية الأطفال داخل وحدة عائلية جماعية لا تُثير الأسئلة التي تهيمن على نموذج الأسرة الغربية. ويستشهد ستروس بهذه الأمثلة ليبيّن أن مشكلات الإنجاب بالمساعدة التي تُناقش اليوم في الغرب، بما فيها تحديد مشروعية التلقيح الاصطناعي وتقنين أنواعه، ليست سوى إعادة إنتاج لأسئلة قديمة واجهتها جماعات بشرية متعددة، وقدّمت لها حلولًا منسجمة مع بنيتها الرمزية والاجتماعية.
وينتقل ستروس بعد ذلك إلى تحليل التباينات الثقافية بين المجتمعات، مُبرزًا أن ما تُسمّى بالمجتمعات “البدائية” ليست بلا تاريخ، بل هي مجتمعات اختارت، بآليات واعية أو لاواعية، مقاومة الدخول في منطق الصيرورة التاريخية المتسارعة، والعمل على تثبيت بنياتها الداخلية على نحو يضمن لها الاستمرار. هذه المجتمعات، التي تُصوَّر غالبًا باعتبارها خارج الزمن، هي في الواقع، وفق ستروس، نماذج اجتماعية بنت ذاتها على مبدأ الدوام، وجعلت انفتاحها على الخارج محدودًا إلى أقصى مدى، وفق ما يشبه ذهنية “برج الأجراس” في التعبير الفرنسي. وهي وفق هذا المنظور، ليست مجتمعات متخلفة بل مجتمعات تعتمد استراتيجية ثقافية للحفاظ على تماسكها الرمزي، وتُنتج “ديكورًا داخليًا” أكثر تلاحمًا وغنى مما تنتجه حضارات معقّدة يُضعفها فائض التغيّر.
ويُميّز ستروس هنا بين المجتمع والثقافة، فالثقافة هي مجموع العلاقات التي تربط جماعة ما بالعالم، بمنتجاتها المادية والرمزية، بطرائق زراعتها وبنائها للأرض، وبصناعاتها اليدوية، في حين أن المجتمع هو شبكة العلاقات التي ينسجها الأفراد في ما بينهم داخليًا. وبناءً على هذا التمييز يخلص ستروس إلى أنّ مجتمعات الحداثة تُنتج الكثير من القصور الحراري الرمزي، وتهدر طاقاتها في النزاعات الاجتماعية والصراعات السياسية، وتستهلك قواها في التوترات النفسية التي تفتك بأفرادها، كما تفقد تدريجيًا القيم التي قامت عليها لحظة نشأتها. بينما تظل المجتمعات الموصوفة بالبدائية، متى لم تتعرض لخراب كبير، محتفظة بدرجة من الشفافية والتوازن الداخليين لا يتعارضان مع الشرط الإنساني، بل يُعبّران عن استراتيجيات وجودية بديلة.
يطرح ستروس السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن لمستقبل الاقتصاد الحديث أن يستقيم دون إعادة إدماج العوامل النفسية والاجتماعية والأخلاقية في عملية الإنتاج؟. فالسوسيولوجيون الذين يدرسون الصناعة يعاينون تناقضًا بنيويًا بين الإنتاجية بمعناها الموضوعي، التي تفرض مبدأ التجزئة وتفريغ العمل من محتواه وتحويل العامل إلى ملحقٍ بالآلة، وبين الإنتاجية بمعناها الذاتي، التي ترتبط بقدرة الفرد المنتج على المبادرة والتعبير عن شخصيته وإبداعه. إن هذا التوتر، في نظر ستروس، هو الوجه الميثيّ الخفيّ لعالم الحداثة، حيث تسعى الثقافة إلى السيطرة الكاملة على مسار التقدّم، بينما يُحاول المجتمع أن يتحرر من “اللعنة التاريخية” التي جعلته يستعبد الأفراد لقرون طويلة بحثًا عن وهم التقدم. وحين تنجح الثقافة في إعادة توزيع مهام الارتقاء، سيغدو المجتمع قادرًا، كما يتخيّل ستروس، على الوجود داخل التاريخ وخارجه في آن واحد، وعلى تحقيق توازن لا يلغي البنية الإنسانية بل يعيد تأصيلها ضمن شروط أكثر إنصافًا للإنسان.
التنوع الثقافي: بين النسبيّة التاريخية وحتمية التفاعل
في الجزء الثالث والأخير من كتابه، المعنون بـ”القبول بالتنوع الثقافي: ما تعلمناه من الحضارة اليابانية”، يقف كلود ليفي ستروس أمام ثنائية فلسفية شديدة العمق، تجمع بين الأنثروبولوجيا وعلم الوراثة، ليطرح سؤالًا محوريًا حول عدم تساوي الثقافات في مسيرتها التاريخية. يرى ستروس أن الفوارق بين المجتمعات لا تنبع من طبيعتها البيولوجية، بل من المسار التاريخي والاجتماعي الذي سلكته كل مجموعة، ما يستلزم فهم العوامل التي حالت دون تقدم بعض المجتمعات ومساعدتها على استدراك ذلك.
يواجهنا المؤلف بمشكلتين أساسيتين يمكن للأنثروبولوجيا أن تسعى لحلهما. الأولى تتعلق بالعرق، وبالضرورة إعادة التفكير في معنى التقدم وارتباطه بالثقافات المختلفة. فالاختلافات الملاحَظة بين الشعوب، وفق ستروس، تشمل الملامح الخارجية وأنماط العيش والعادات والمعتقدات، إلا أن محاولة ربط العرق بالثقافة جاءت مثقلة بسوء الفهم. فالأنثروبولوجيا أظهرت أن الثقافات تفوق الأعراق في تنوعها، فثقافتان تنتميان إلى عرق واحد قد تختلفان اختلافًا أوسع من ثقافتين تنتميان إلى أعراق مختلفة.
المشكلة الثانية تتعلق بالتركات الثقافية التي تتطور بوتيرة أسرع بكثير من التراث الجيني. لقد أحدثت هذه الفجوة انقسامات بين علماء الأنثروبولوجيا “الثقافيين”، المهتمين بالتقنيات والعادات والمؤسسات والمعتقدات، وبين الأنثروبولوجيا الطبيعيين، الذين يصرون على قياسات الجمجمة والهياكل العظمية كمعيار. هنا، يبرهن ستروس على أن مفهوم “العرق” التقليدي، المبني على صفات ظاهرية كالطول ولون البشرة ونوع الشعر، لم يعد كافيًا، بل استبدل علماء الوراثة به “المخزون الجيني”، وهو مفهوم نسبي وغير محدد بحدود ثابتة، ما يجعل أي تصنيف صارم اعتباطيًا بطبيعته.
من هذا المنطلق، يدعو ستروس إلى تطوير المعارف الأنثروبولوجية بعين واعية، تتيح إعادة النظر في الأنماط الثقافية والعادات والمعتقدات، بعيدًا عن السخرية أو النظرة المتعالية. فهو يرى أن المجتمعات التي تُنعت بالبدائية تعمل بوعي أو دون وعي على تنظيم حياتها لضبط النمو الديمغرافي، وإعادة تشكيل بنيتها الاجتماعية، وتحديد أنماط الزواج والتناسل، ووضع قواعد للعناية بالأطفال، فضلاً عن أنظمة السحر والدين وعلم الكون.كما يستعرض ستروس مجموعة واسعة من الظواهر الاجتماعية والثقافية، من التقاليد اليومية إلى الممارسات القاسية كالقتل الانتقائي للأطفال، مؤكدًا أن هذه الممارسات جزء من تطور الجنس البشري والتكيفات المجتمعية، التي أسهمت في بروز خصائص سابقة للثقافة مثل القدرة على الوقوف، المهارات اليدوية، والحس الاجتماعي، فضلاً عن القدرة على التفكير الرمزي والتواصل.
وفي جوهر تحليله، يشير ستروس إلى أن الثقافات، شأنها شأن الأعراق، تخلق وتعيد إنتاج الفوارق والحدود من خلال الانعزال النسبي والتحديد الجزئي للتبادلات، سواء كانت ثقافية أو جينية. فالحدود الثقافية، مثل البيولوجية، تلعب دورًا في تشكيل التاريخ التراكمي، لكنه تاريخ يقوم على التفاعل بين الثقافات المختلفة، لا الانعزال الكامل. ومن هنا يبرز دوره المركزي في “خلط الحصص” التاريخية بين المجتمعات، ما يمنح كل ثقافة فرصًا أكبر للسير قدمًا ضمن لعبة التاريخ الكبرى.
إن ما يثير الانتباه في الجزء الأخير من كتاب ستروس هو تفكيكه الأنثروبولوجي الدقيق للاعتقادات المنتشرة، وإبرازه للتنوع الثقافي كظاهرة طبيعية تنبثق من تفاعلات المجتمعات المباشرة وغير المباشرة، سواء عن طريق التجارة أو الحروب أو الهجرات أو التواصل الرمزي. يتتبع المؤلف في هذا السياق سوسيولوجيا الأنساق الدينية والفلسفية الكبرى، موضحًا كيف تتشكل الثقافات التقليدية وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، مع تحليله للمذهب النشوئي وهيمنته على الفكر الغربي، الذي غالبًا ما يخفي تحت ستار الاعتراف بالتنوع الثقافي نزعة إلى اختزاله ضمن نمط واحد يُفترض أنه النموذج الأمثل.
يطرح ستروس سؤالًا صيروريًا ينير النقاش حول نسبية التاريخ الثقافي: ألا يمكن أن يعود التمييز بين تاريخ ذي طبيعة سكونية وآخر ذي طبيعة تراكمية إلى المنظور الذي نقيم من خلاله الثقافات المختلفة عنا، والمنظور نفسه رهين بتمركزه العرقي؟. ومن هذا المنطلق، تبدو الثقافات التي تتبع المسار الذي نعتمده نحن تراكمية، بينما الثقافات الأخرى تبدو لنا وكأنها ساكنة، غير مدركة لمسارها. ومن هنا ينطلق ستروس نحو حدوده الاستشكالية، مطروحًا باراديغم النسبوية الثقافية والأحكام الأخلاقية، التي، بحسب رأيه، لا تنكر حقيقة التقدم ولا إمكانية ترتيب بعض الثقافات وفق معايير محددة، شريطة الاقتصار على بعد معين دون الآخر، لكنه يوضح أن النسبوية الثقافية، حتى ضمن إطار محدود، تواجه ثلاثة معطيات تحد من قيمتها. أولًا، تطور الإنسانية بما يكفي لدراسة المجتمعات قبل الصناعية. ثانيًا، قيود الأنثروبولوجيا نفسها التي تمنعها من إصدار أحكام أخلاقية أو ثقافية قطعية. وثالثًا، الهيمنة الرمزية للنموذج الغربي، الذي يستمر في فرض أساليبه في المعيشة، التكنولوجيا، الزي، وحتى وسائل الترفيه، رغم فقدانه الجزئي لثقته بنفسه. يشير ستروس إلى أن الشعوب المستقلة حديثًا لم تتوقف عن الاحتفاء بهويتها، متجاوزة الهيمنة الغربية، وهو ما يفتح المجال لتصورٍ أوسع للتنوع الثقافي والمساواة الممكنة. وفي خاتمة رؤيته، يظل متفائلًا: “بإمكاننا أن نحلم بمساواة وأخوة تسود يومًا ما، دون أن تُمس التنوعات الثقافية التي تشكّل العالم”.
ــــــــــــــــــــــ
*كلود ليفي ستروس: ” الأنثروبولوجيا في مواجهة مشاكل العالم الحديث”، ترجمة رشيد بازي ـ المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء، ط 1 / 2019 ، (عدد الصفحات 144).