عادت أسئلة حكامة تسيير المرافق الصحية إلى الواجهة خلال الآونة الأخيرة، خاصة عقب تعيين مدراء عدد من المجموعات الصحية الترابية، بعد انطلاق العمل بالمجموعة الصحية الترابية لجهة طنجة تطوان الحسيمة باعتبارها تجربة نموذجية من أجل تقييمها في أفق التعميم، علما بأن الكثير من الانتقادات رافقتها، بخصوص إشكالات محددة، تتعلق أساسا بما له صلة بالموظفين ومهنيي الصحة، في الوقت الذي ظل التأكيد رسميا على أنه بالرغم من حداثة التجربة فإنها كانت موفّقة.
عودة النقاش، لا تقف عند المجموعات الصحية الترابية بل تمتد إلى مختلف المؤسسات الصحية الاستشفائية، الإقليمية منها والجهوية والجامعية، التي تعرف خصاصا كبيرا في المهنيين، وأساسا في الأساتذة والأطباء الذين يمكن أن يكون لحضورهم قيمة صحية للإجابة عن الإشكالات المرضية للمواطنين، فحصا وجراحة، إلا أن استمرار توظيف أساتذة بالتحديد على رأس هذه المؤسسات، يرى فيه عدد من المتتبعين خطوة تساهم في هدر الطاقات والكفاءات الطبية بتقزيم حضورها إداريا عوض الاستفادة من خبرتها تكوينيا وطبيا، في الوقت الذي يمكن للمرفق الإداري أن يتم تدبيره وتسييره من طرف كفاءات إدارية وتسييرية لها تكوينها في المجال أو خبرتها التي راكمتها على مرّ السنوات في هذا الإطار.
هذا الطرح يواجهه واقع غير سليم، يتمثل في الإحجام عن المهام والمسؤوليات على رأس المؤسسات الصحية، إذ تبين نتائج العديد من المباريات التي فتحتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لشغل إدارة مستشفيات متعددة عدم اختيار أي مسؤول بسبب غياب ترشيحات، وهو ما يؤكد على أن هذا النوع من المسؤوليات بات غير مقنع ولا مستقطب للمهنيين، أمام استمرار أعطاب متعددة تحول دون تجويد الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين في عدد من المرافق.
في المقابل، أكد عدد من الفاعلين في تصريحات لـ “الاتحاد الاشتراكي” أن المغاربة اليوم ينتظرون تحولا حقيقيا وملموسا وعادلا في منظومتهم الصحية من خلال إحداث تغيير فعلي وبشكل مستدام على أرض الواقع عوض الاقتصار على الحديث عن القوانين أو الهياكل أو الإعلانات الرنّانة، مشددين على أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تنزيل المشاريع بشكل يمكّن من تحسين الولوج إلى العلاج، ويضمن تقليص آجال الانتظار، ويسهم في توفير الأطر الصحية، ويسمح بتجويد العلاجات، وتقليص الفوارق بين الجهات، وليس فقط العمل على إعادة تنظيم إداري بأي شكل من الأشكال، وبالتالي فالحكم على الإصلاح سيكون من خلال آثاره الملموسة، لا عبر نشر النصوص القانونية فقط.
ويرى عدد من الخبراء بأن هناك العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة على المشهد الصحي اليوم، على رأسها كيفية تنزيل الحكامة المحلية الصحية فعليا، ومعايير القيادة بالاعتماد على عنصري الكفاءة والخبرة، وسبل تدارك اختلالات الماضي في مجالي التنظيم والجودة، إلى جانب آليات تنزيل القرارات بشكل واضح ومنسجم في مختلف الجهات بالاعتماد على النتائج، وبالتالي ضرورة انخراط المهنيين، وتوضيح الأدوار، وترسيخ ثقافة موجهة نحو الجودة وخدمة المرفق العام.
وبين هذا وذاك، وانطلاقا من الواقع الذي تئن تحت وطأته العديد من المؤسسات الصحية العمومية، الذي يضعف من مردوديتها وفعاليتها في الوقت الذي يجب أن تكون فيه قاطرة للصحة في بلادنا، يرى عدد من المهتمين بالشأن الصحي أنه يتعين على الوزارة الاهتمام أكثر بالحكامة التشغيلية، وضرورة الاستفادة من خبرة المسؤولين، واعتماد آليات علمية للتتبع، دون إغفال ضرورة تحليل إخفاقات الماضي، ومواكبة البعد البشري لهذا التحول.