أهم الأخبار

الفيدرالية الديمقراطية للشغل: 23 سنة من ترسيخ البديل النقابي الديمقراطي

تحلّ الذكرى الثالثة والعشرون لتأسيس الفيدرالية الديمقراطية للشغل (أبريل 2003 – أبريل 2026) في سياق اجتماعي واقتصادي لا يقل تعقيدًا عن لحظة التأسيس، بما يفرض استحضار دلالات هذه التجربة النقابية، والوقوف عند مسارها، واستشراف آفاقها في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم وسوق الشغل على وجه الخصوص.
لقد جاء تأسيس الفيدرالية الديمقراطية للشغل في سياق وطني اتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، وبروز الحاجة إلى تجديد الفعل النقابي، وتعزيز استقلاليته، وترسيخ ديمقراطيته الداخلية، بما يمكنه من مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المغرب خلال مطلع الألفية الثالثة. فقد تزامنت هذه المرحلة مع انخراط البلاد في إصلاحات اقتصادية وهيكلية، واشتداد النقاش حول قضايا التشغيل، والحماية الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، وهو ما جعل من بروز إطار نقابي ديمقراطي حداثي ضرورة موضوعية.
ومنذ انطلاقتها، سعت الفيدرالية الديمقراطية للشغل إلى التموقع كقوة اقتراحية ونضالية، تجمع بين الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشغيلة، والانخراط في القضايا الوطنية الكبرى، مع التأكيد على مبادئ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور القواعد في صناعة القرار النقابي. وقد مكنها هذا التوجه من كسب حضور معتبر داخل عدد من القطاعات المهنية، ومن الإسهام في تأطير فئات واسعة من الأجراء.
وبمناسبة هذه الذكرى، قادتني الذاكرة إلى زيارة مقر المركزية النقابية بشارع محمد الديوري، وهي زيارة استحضرت من خلالها مرحلة التأسيس بكل تفاصيلها، وما رافقها من تحديات وإكراهات، لكنها كانت أيضًا مرحلة مشبعة بالإرادة والعزيمة لبناء تنظيم نقابي بديل. كما كانت مناسبة لعيادة الأخت الكريمة نادية أبو الوفاء، مع صادق الدعاء لها بموفور الصحة والعافية.
لقد كان لي شرف الاشتغال داخل هذا المقر إلى جانب الراحل المناضل عبد الرحمان العزوزي، أحد رموز العمل النقابي الديمقراطي، وذلك باعتباره أمين مال المركزية، خلال مرحلة التأسيس إلى غاية انعقاد المؤتمر الوطني الثاني سنة 2005 بمدينة بوزنيقة، والذي شكّل محطة تنظيمية مهمة في تثبيت الهياكل وتعزيز الحضور النقابي. وقد تميزت تلك الفترة بروح جماعية عالية، وبعمل يومي دؤوب، هدفه وضع اللبنات الأولى لتنظيم يقوم على الجدية والمصداقية.
وفي هذا السياق، ساهمت شخصيًا في توثيق مختلف العمليات المالية، من مصاريف ومداخيل، عبر مجلدات تم تحريرها بخط اليد، مدعومة بالفواتير، تحت إشراف الأخ مصطفى راديد، مساعد المالية، في تجربة عكست حرصا كبيرا على إرساء قواعد الشفافية والانضباط المالي، باعتبارهما من ركائز العمل النقابي المسؤول.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين على التأسيس، تواجه الفيدرالية الديمقراطية للشغل، كما باقي المركزيات النقابية، تحديات جديدة، ترتبط أساسا بتحولات سوق الشغل، وتنامي أنماط التشغيل الهش، واتساع الفوارق الاجتماعية، إلى جانب رهانات تعميم الحماية الاجتماعية، وتطوير الحوار الاجتماعي ليكون أكثر نجاعة وإنتاجية. وهي تحديات تفرض على العمل النقابي تجديد أدواته، والانفتاح على فئات جديدة، خاصة الشباب، وتعزيز الثقة مع القواعد.
وقد شكلت زيارتي الأخيرة للمقر مناسبة للوقوف على التحولات التي عرفها، حيث تم تجديده بمكاتب حديثة وفضاءات عمل لائقة، في خطوة تعكس وعيا بأهمية تحسين شروط الاشتغال النقابي، وتطوير بنياته التنظيمية، وذلك تحت إشراف الكاتب العام الحالي يوسف أيدي، إلى جانب إصلاح المصعد بما يسهل الولوج ويستجيب لحاجيات الفيدراليات والفيدراليين.
إن مسار الفيدرالية الديمقراطية للشغل ليس مجرد تراكم زمني، بل هو تجربة نضالية ساهمت في تأطير الشغيلة والدفاع عن حقوقها، والمشاركة في مختلف محطات الحوار الاجتماعي، والتفاعل مع القضايا الوطنية، من موقع المسؤولية والالتزام. كما أن تعاقب القيادات النقابية على رأسها، من الطيب منشد إلى عبد الرحمان العزوزي، ثم عبد الحميد فاتحي، وصولا إلى يوسف أيدي، يعكس دينامية تنظيمية حافظت على استمرارية المشروع مع اختلاف السياقات.
وإذا كانت لحظة التأسيس قد ارتبطت برغبة قوية في بناء بديل نقابي ديمقراطي، فإن المرحلة الراهنة تقتضي مضاعفة الجهود لتجديد هذا المشروع، وتعزيز حضوره، وجعله أكثر قدرة على الترافع عن قضايا الشغيلة في عالم متغير، تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
تحية تقدير لكل الفيدراليين والفيدراليات، من جيل التأسيس إلى الأجيال الحالية، الذين ساهموا في بناء هذا الصرح النقابي، سواء من مواقع المسؤولية أو من داخل القواعد، بإيمان راسخ بعدالة القضية النقابية.
وفي أفق تخليد فاتح ماي، العيد الأممي للطبقة العاملة، تتجدد الحاجة إلى وحدة الصف، وإلى الارتقاء بالفعل النقابي، بما يستجيب لتطلعات الشغيلة المغربية في الكرامة والعدالة الاجتماعية.
وكل فاتح ماي، والطبقة العاملة بألف خير.