روبورتاجات

الجديدة أمام منعطف بحري حاسم ورهانات استراتيجية على الاقتصاد الأزرق والتنمية الترابية

ميناء صيد جديد بـ «جرف غراب» وتحويل الميناء الحالي إلى قطب ترفيهي… مشروع يعيد صياغة علاقة المدينة ببحرها

 

تستعد الواجهة البحرية لإقليم الجديدة لدخول مرحلة تحول عميق قد يغير ملامحها لعقود مقبلة، عقب قرار استراتيجي اتُّخذ خلال اجتماع موسع احتضنته عمالة الإقليم برئاسة عامل الإقليم، يقضي بتنقيل أنشطة الصيد البحري من ميناء الجديدة ومن ميناء الجرف الأصفر نحو موقع «جرف غراب» التابع لجماعة سيدي عابد، مع إعادة توظيف ميناء الجديدة الحالي في إطار مشروع ترفيهي وسياحي مندمج.

 

الاجتماع، الذي جمع ممثلين عن الوكالة الوطنية للموانئ ومرسى ماروك والمجمع الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للصيد وغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، إضافة إلى منتخبين ومسؤولين ترابيين، حدد سقف عشرة أشهر لإنجاز الدراسات التقنية والسوسيواقتصادية والبيئية، باعتبارها مرحلة مفصلية قبل إطلاق مسطرة الإنجاز.
هذا القرار لا يتعلق فقط بإعادة توزيع أنشطة مهنية، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة صياغة علاقة المدينة بساحلها، وتحقيق توازن جديد بين الوظيفة الاقتصادية والبعد السياحي والبيئي.

منطق الاختيار: تقييم تقني وبيئي متعدد الأبعاد

اختيار موقع «جرف غراب» لم يكن وليد لحظة، بل جاء تتويجًا لمسار تقييم امتد قرابة سنة، خضعت خلاله عدة مواقع لدراسات مقارنة استندت إلى معايير السلامة البحرية، والجدوى الاقتصادية، وحساسية المجال البيئي. فالمعطيات المقدمة خلال الاجتماع أكدت أن الموقع المقترح يتميز بعمق بحري ملائم لاستقبال بواخر الصيد الساحلي؛ وحماية نسبية من تأثير الرياح الغربية والتيارات القوية؛ وإمكانية إنشاء بنية مينائية حديثة بمعايير السلامة الدولية؛ إضافة إلى محدودية التأثير على المنظومة البيئية لشاطئ سيدي عابد الحاصل على اللواء الأزرق. في المقابل، تم استبعاد مواقع أخرى، من بينها «دار الضو» بجماعة مولاي عبد الله، بالنظر إلى هشاشتها البيئية وارتباطها بمجال غني بالتنوع البيولوجي وإنتاج الطحالب البحرية، ما يجعل أي تدخل عمراني واسع النطاق مهددًا للتوازن الإيكولوجي.
وأكد محمد الغزواني أحد خبراء البحر بمدينة الجديدة وزياد محترف أن جرف غراب يعتبر بنية بحرية جيدة وإنشاء ميناء للصيد بها يمكن أن يجمع جميع القوارب أو البواخر التي توجد في مراسي صغيرة عشوائية غير خاضعة للمراقبة كما أنها يمكن أن ترفع من ساعات الصيد حيث يمكن للقوارب والبواخر أن تبحر في هذه المياه مهما كانت الأحوال الجوية وتميزها أيضا بالتنوع السمكي الذي يمكن أن ينعش السوق المحلية والوطنية
وفي الوقت ذاته أكد الغزواني أن انشاء ميناء بعرف غراب بإمكانه أن يبعد حتى عصابات الاتجار في المخدرات على الصعيد الدولي والأشجار بالبشر عن ساحل الجديدة خاصة بعد إغلاق المراسي العشوائية. واختتم قوله إنه مهما بلغ الأمر من استثمارات في البنى التحتية فإن الأمر اليوم يتطلب الاستثمار في الأحواض البحرية لإنتاج السمك بكميات وفيرة فالمغرب حسب الغزواني لا ينتج سوى مليون طن من الاسماك في الوقت الذي تنتج فيه دول لا تتوفر على مساحة بحرية مثل الموجودة في المغرب على ما يناهز العشرون مليون طن في السنة.

ميناء الجديدة: من فضاء مهني إلى واجهة حضرية

يواجه ميناء الجديدة، بصيغته الحالية، إكراهات بنيوية متراكمة، أبرزها تموقعه في مجال مفتوح على الرياح الغربية، وما يرافق ذلك من صعوبات في الولوج خلال فترات الاضطراب الجوي. كما أن قربه من منطقة “سيدي الضاوي” المعروفة بتعقيدات الملاحة يطرح تحديات متكررة تتعلق بالسلامة.
لكن الإشكال لا يقتصر على البعد التقني. فقد أصبح الميناء اليوم محاطًا بنسيج عمراني كثيف، مما أفرز تداخلاً بين النشاط المهني البحري ومتطلبات السلامة الحضرية، وأثر على الجاذبية السياحية للمدينة. ويرى متتبعون أن إعادة توظيفه في إطار مشروع ترفيهي – يضم مراسي للقوارب السياحية، فضاءات تنشيط، ومرافق ثقافية – سيمكن من تثمين الواجهة البحرية وربطها بمشاريع تأهيل الحي البرتغالي والكورنيش، بما يعزز مكانة الجديدة كقطب سياحي ساحلي متكامل.
أما الجرف الأصفر فتخصصه صناعي يفرض الفصل فقد جاء قرار وقف نشاط الصيد داخله منسجمًا مع طبيعته الصناعية المتخصصة في نقل المواد المعدنية والبضائع الاستراتيجية، حيث يعد من أكبر الموانئ المعدنية في إفريقيا.
واستمرار وجود قوارب الصيد التقليدي إلى جانب ناقلات ضخمة كان يطرح مخاطر حقيقية على مستوى السلامة البحرية، إضافة إلى إكراهات تنظيم الفضاء المينائي وضمان انسيابية الحركة التجارية. وعليه، فإن الفصل بين النشاطين يندرج ضمن متطلبات تحديث تدبير الموانئ، وتحسين شروط مراقبة سلسلة تسويق المنتوج البحري، وتعزيز معايير الشفافية والجودة.

«“جرف غراب»: فرصة تاريخية لسيدي عابد

الميناء الجديد المرتقب لا يمثل فقط بنية تحتية إضافية، بل يُنتظر أن يكون نقطة تحول تنموي لجماعة سيدي عابد، التي ظلت تعتمد أساسًا على تحويلات الضريبة على القيمة المضافة وتعاني محدودية في مواردها الذاتية.
ويراهن الفاعلون المحليون على أن يسهم المشروع في تجميع قوارب الصيد التقليدي المنتشرة بسيدي عابد ومريزيقة والوليدية؛ وتنظيم القطاع داخل فضاء مهيكل يخضع للمراقبة الصحية والإدارية؛ مع الحد من الممارسات غير القانونية المرتبطة بغياب التأطير المينائي وخلق دينامية اقتصادية موازية تشمل التبريد والتخزين والصيانة واللوجستيك.
كما ينتظر أن يوفر المشروع فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، سواء خلال مرحلة الأشغال أو بعد دخول الميناء حيز الاستغلال.

استثمار معطل ينتظر الإحياء والحاجة إلى تجديد طرقي

في هذا السياق، يبرز ملف نقطة تفريغ السمك بسيدي عابد، التي أنجزت في إطار شراكة بين المكتب الوطني للصيد ووكالة تحدي الألفية، وأشرف على إطلاقها الملك محمد السادس، قبل أن يدشنها سنة 2012 رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش حين كان وزيرًا للفلاحة والصيد البحري.
المنشأة الممتدة على حوالي 14 ألف متر مربع، والتي تضم مرافق للبيع والتبريد والإصلاح والتكوين، ظلت لسنوات دون استغلال فعلي في غياب ميناء صيد مجهز بجوارها. المشروع الجديد قد يشكل فرصة لإعادة الاعتبار لهذا الاستثمار العمومي وضمان مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.بعد أن ظل مشروعا فاشلة لمدة فاقت الاثنى عشر سنة وكاد أن يتحول إلى أطلال رغم انه يدخل ضمن المشاريع الملكية الكبرى
نجاح هذا الورش الاستراتيجي يظل رهينًا بتأهيل البنية الطرقية، وعلى رأسها الطريق الجهوية 301 الرابطة بين الجديدة والوليدية، التي تعاني من تهالك واضح. كما يُرتقب إعادة طرح مشروع طريق سريع بطول 22 كيلومترًا تربط مخرج الطريق السيار بالطريق 316 مرورًا خلف مركب الفوسفاط وصولًا إلى “جرف غراب”، في إطار شراكات تمويلية تضم المجمع الشريف للفوسفاط وجهات معنية بمشروع جرف غراب وبعض الخواص الذين تستغل شاحناتهم الطرق بشكل يوني

رؤية في أفق الاقتصاد الأزرق

في العمق، يعكس القرار توجهًا نحو إعادة توزيع الوظائف الساحلية وفق مقاربة مندمجة تراعي السلامة البحرية، وحماية البيئة، وتعزيز الجاذبية السياحية، وخلق قيمة مضافة محلية في إطار ما يُعرف بالاقتصاد الأزرق.
غير أن الرهان الحقيقي لن يقف عند حدود اتخاذ القرار، بل في القدرة على احترام آجال الدراسات، وضمان إشراك المهنيين والساكنة، وتأمين التمويلات اللازمة، حتى لا يتحول المشروع إلى مجرد عنوان واعد مؤجل التنفيذ.
فإن نجحت هذه المرحلة، فإن إقليم الجديدة سيكون أمام فرصة تاريخية لإعادة تموقعه ضمن خارطة الأقطاب البحرية والسياحية الوطنية، ولتمكين جماعة سيدي عابد من الانتقال من هامش التنمية إلى قلب دينامية اقتصادية مستدامة، تعيد التوازن بين البحر والمدينة، وبين الاستثمار والحفاظ على البيئة.