المغرب كان من بين الدول الأولى التي تعرضت لتهديدات داعش
– اليوم، هناك تحالف دولي يساعد القوات العراقية على محاصرة الموصل المدينة الأساسية لتنظيم داعش.هل الجواب العسكري وحده كافٍ للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي، في ظل عراق يعاني من الطائفية، وهيمنة الدول الأجنبية عليه؟
– الرهان هو سياسي للقضاء على تنظيم داعش. وحتى لو تم القضاء عليه عسكريا، فإن مشروعه سيستمر في الوجود،ولنا مثال في أسبوع الماضي، حيث هددت داعش الصين بأنهار من الدم، بعد أن تم قطع رأس رهينة صيني كان محتجزا منذ شتنبر 2016 .فهذا التنظيم، يبحث عن نفَس جديد. وربما هذا النفس أو الحياة الجديدة، سوف تكون بآسيا، في إطار سوسيو اقتصادي مختلف في غياب مشروع مضاد، وقادر على مواجهة ما يقترحونه.
– بمعنى أن التوفر على رقعة جغرافية مثل ما يحدث اليوم بالعراق أو سوريا، ليس له أهمية لاستمرارية هذا التنظيم؟
– لا أظن ذلك. لقد مكنت من التعريف بنفسها، والاستقرار، والتطور بالمجتمعات العربية، لأن الثقافة السائدة، هي الإسلام. لكنها اليوم، هي منظمة إرهابية حاضرة بأربع قارات.هذا هو الجانب الأول. أما الثاني، فهو التحول الجيوسياسي الهام، الذي يقع بالعالم. وهو أنه داخل الإسلام، لا يمثل العرب سوى 8 في المئة.فهم أمسوا جد هامشيين وأقلية،والإسلام بالعالم اليوم، يتمتع بأغلبية أسيوية. والرهان هو عالمي على المستوى الاقتصادي بآسيا، وهناك محور اقتصادي بدأ في التحول نحو اقصى الشرق بهذه القارة.
– قلت إن الغرب، لا يتوفر على استراتيجية لمواجهة الإرهاب، بل كل ما يتم-حاليا- هو تحول المشكل من منطقة لأخرى؟
– إن للدول التي تشكل التحالف الدولي مصالح متناقضة. والشاغل الأساسي بالنسبة للبلدان الأوربية، هو تجنب أن ينتقل المشكل إلى أراضيها،أي تفادي وقوع عمليات فوق أراضيها. وهو أمر مشروع ، لا يمكننا أن نرفضه لكن على المستوى الديبلوماسي وعلى المستوى السياسي،التجاري والاستراتيجي،كل البلدان مثل فرنسا، بريطانيا وألمانيا، لهم مصالح مختلفة، وإذا اضفت إليهم روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإنك لن تجد نقطة تجمع بينهما.
على المستوى السياسي، هناك من يقصف مواقع داعش. وهناك من يقصف مصفاة النفط،وهناك من يقصف المدن أو تحركات قوافل السيارات العسكرية. وهناك بعض الدول ترفض قصف المدن خوفا من أن تخلف ضحايا مدنيين، وخوفا من رد فعل الرأي العام الغربي.
ما يمكننا قوله، ليس هناك استراتيجية أو نظرة مشتركة حول الموضوع. بصفة عامة ليس هناك ديبلوماسية أو نظرة شاملة حول هذه المنطقة من العالم، أي تجاه سوريا والعراق.
وفيما يخص الوضع بسوريا،فجميعنا يتذكر أن الخط الأحمر، هو الأسلحة الكيماوية. وقد تم تقديم أدلة إلى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بأن نظام بشار الأسد، استعمل الأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه ولم تتدخل واشنطن. ورغم ما يمكننا قوله، فإن الرهان ليس على القيم، بل على ما هو ديبلوماسي واستراتيجي .
– فيما يخص الاستراتيجية المتبعة، فإن المحللين، يجمعون على أن الاهتمام الاستراتيجي لواشنطن على المستوى الاقتصادي والعسكري، انتقل إلى أسيا، وتراجع اهتمامها بأوربا والشرق الأوسط؟
– هذا صحيح. لكن المرور من وضعية إلى أخرى، سوف يتطلب الوقت. لا يمكننا الانسحاب بهذه السرعة،وفك كل الالتزامات بالمنطقة، وهو تحول بدأ مع باراك أوباما منذ 2010 من خلال سحب القوات الأمريكية من أفغانستان ومن العراق. وهذا الأمر سوف يتطلب وقتا طويلا، وإلا فإن هذه البلدان التي عاشت بفضل الحماية الأمريكية ستختفي أو تنهار بشكل كامل، وهي حالة العراق وأفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية والوضع بمالي فيما يخص فرنسا.وهو ما يمكن ان يحدث بمناطق أخرى تعيش نفس الوضعية.
طبعا هناك اليوم اهتمام كبير في القرن الواحد والعشرين بآسيا، لكن الأمر سوف يتطلب وقتا للمرور من وضعية إلى أخرى، كما أن أسيا، هي الأخرى جد متنوعة حسب مع من نتعامل من هذه الدول،هل اليابان أو الصين اللذان ليس لهما نفس المقاربة. اليابان بلد منفتح وديمقراطي، أما الصين، فهي بلد صعب الولوج مع حزب شيوعي يراقب كل شيء وعلى الخصوص الاقتصاد. وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن الرهان الاستراتيجي على المنطقة هو جد مهم. ولا يمكننا بناء رهان استراتيجي بين يوم وليلة، بل لابد من الوقت لبناء هذه الثقة.لهذا، فإن الغربيين لن يتخلوا عن منطقة الشرق الأوسط بسرعة، رغم أن أهمية هذه المنطقة، أصبحت ثانوية بالنسبة إليهم.
من أطروحاتك المهمة أيضا، في هذا الكتاب، أن استقطاب الشباب الفرنسي من طرف المنظمات الإرهابية بالشرق الأوسط، سواء شباب من أصول مسلمة، أو مسيحية، يتم لأسباب اجتماعية لا دينية مختلف الدراسات السوسيولوجية، تبين أن الدافع وراء تجنيد هؤلاء، اجتماعي. والقضية الدينية، هامشية، خاصة أن هؤلاء الشباب ليس لهم أي ثقافة دينية، بل إن أغلبهم لا يتكلم العربية لغة آبائهم أو أجدادهم. وفضلا عن أن فرنسا تقدم أكبرعدد من المقاتلين لهذه التنظيمات، إلا أن 40 في المئة منهم، من المعتنقين الجدد للديانة الإسلامية، بمعنى أن نصف مقاتلي تنظيم داعش، هم من المعتنقين للإسلام. المشكل إذن، ليس مع المسلمين، إنه يتجاوز هذه الوضعية.
من المؤكد أن ثمة قطائع اجتماعية، وقطائع رمزية برؤوس هؤلاء الشباب، الذين يعيشون التهميش الاجتماعي، في الوقت الذين هم في حاجة إلى بناء عالم يعطيهم قيمة.لهذه الاعتبارات السيوسيولوجية فإن هذه القضية، هي اجتماعية وليست دينية.
– فيما يخص دراسة ظاهرة الحركات الراديكالية الإسلامية، توجد خلافات في فرنسا بين الباحثين خاصة بين جيل كيبيل، الذي هو الأقرب إلى دوائر الحكم، وبين أوليفيي روا، حول تحليل هذه الظاهرة. باعتبارك باحثا جامعيا بمعهد العلاقات الدولية، إلى أي تحليل أو توجه تميل في التعامل مع هذه الظاهرة؟
– هل الإسلام هو الذي أصبح راديكاليا أم الراديكالية هي التي أصبحت مسلمة؟ إنهما أطروحتان متنافستان بفرنسا على المستوى الجامعي بين كيبيل ولوروا، ولكن هناك مشكل لابد من معالجته، ألا وهوأن الإسلام، لم يستطع تحديث ممارساته، ونحن في عالم مختلف لا علاقة له بما كان يعيشه النبي وصحبه في القرن السابع الميلادي أو فيما بعد. و عملية الملاءمة اليوم هي جد ضرورية، وحتى ممارسة المسلمين عبر العالم قد تغيرت. فالمسلمون من اندونيسيا أو باكستان أو الصين أو نجيريا أو الجزائر أو السنغال ليس لهم نفس الممارسات.طبعا هناك نفس النص، ولكن ليس نفس الممارسات،لهذا لابد من نقاش بين المختصين الدينيين من أجل التلاؤم مع تحديات العصر والتحديات التكنولوجية. كيف يمكن أن تمارس الإسلام من طرف أشخاص مفرقين بين القارات الأربع للكون، وهو سؤال جد مهم يحتاج إلى معالجة، خاصة حول دور النساء، اللواتي لهن اليوم دور اقتصادي واجتماعي بهذه البلدان لم يكن لهم منذ 50 سنة الماضية.إذا أخذت منطقة مثل المغرب العربي، فإن النساء، يشكلن أغلبية بقطاعات جد مهمة، مثل الصحة،التربية والعدل..،وهذا جد مهم، لأن خروج النساء إلى الساحة العمومية، يطرح تحديات جديدة، وهو أمر يطرح تحديا أمام الإسلام، ويتطلب تلاؤما جديدا مع هذه الوضعية. وهذا نقاش، يجب أن يتم بين المختصين في الديانة. وعليهم إعطاؤنا تصورهم وخبرتهم في المجال، وعليهم إنتاج نصوص، لأن الإسلام هو ديانة أفراد.
– الوضع بفرنسا معقد وغامض حول استعمالات السياسيين والباحثين لكلمة إسلام، مسلمين، إسلاميين، وهناك من لا يتردد في ربط كلمة الإسلام بالإرهاب أو التطرف، في رأيك ما هو سبب هذا الخلط والغموض في استعمال الكلمات بفرنسا، خاصة من طرف السياسيين، والذي له انعكاسات سلبية على صورة مسلمي هذا البلد الغربي، الذي يضم أكبر أقلية مسلمة بأوربا؟
– من المؤكد أن هناك غموضا وعدم معرفة بالموضوع، وكذلك غموضا مقصودا من البعض. وهو الوضع، الذي لا يسهل الوضوح في النقاش. ونحن في ظروف، خاصة كل شيء يتم تسريع وتيرته التكنولوجيا،كما أن هناك ضغط الرأي العام ووسائل الإعلام أو هما معا، والذي يمارس بشكل متناقض على عالم السياسة، والجميع ليس مؤهلا، ويتوفر على وسائل للتعبير في هذا المجال.وتمت أخطاء كثيرة، لأننا عجزنا عن أن إيجاد الكلمات الملائمة أو المعاني الجيدة أوالتوفرعلى خطاب متكامل.
إن فرنسا بلد لائكي. وفي الوقت نفسه، يصرح سياسيون بأنهم يتوجهون إلى الطائفة المسلمة. علينا أن نعرف، هل هناك طوائف بفرنسا أو ليس هناك طوائف، هذا-فعلا- مشكل حقيقي، وتحول بالنسبة للجميع، علينا أن نأخذه بعين الاعتبار، وعلى السياسيين أن يكون لهم نفس التعبير، في ما يخص معالجة قضايا الإسلام بفرنسا.
– كتابك حول داعش، كان بيداغوجيا حول هذا التنظيم الإرهابي.التساؤل المطروح بفرنسا، ونحن نعيش فترة الانتخابات الرئاسية: هل ستتدخل داعش بطريقتها في هذه الانتخابات أم أنها أصبحت عاجزة عمليا عن القيام بأي دور في المنطقة الأوربية؟
– قضايا الأمن بفرنسا سوف تكون من مواضيع الحملة الانتخابية الحالية. أما فيما يخص داعش، فإننا لا نعرف ما إن كانت ستحاول إثارة الانتباه إليها أم لا خلال هذه الانتخابات.هي إذن، فرضية قائمة، ولا يمكننا استبعادها.وفي ظني أن داعش بإمكانها ذلك، في إطار الوضعية، التي تعيشها اليوم، والحصار، الذي تتعرض له عسكريا، سواء بسوريا أو العراق أو ليبيا أو مناطق أخرى، لا أعتقد أن داعش سوف تقحم نفسها في هذه الانتخابات للظروف التي ذكرتها سابقا.
– بعيدا عن فرنسا، رأينا أن داعش، تمكنت من القيام بعملية إرهابية بالجزائر مؤخرا.وقد تمكن المغرب من الحفاظ على أمنه، رغم التهديدات المكرورة التي يقوم بها هذا التنظيم منذ مدة طويلة. هل بهذه العملية، يدخل هذا التنظيم الإرهابي إلى منطقة المغرب العربي؟
– هذا التنظيم حاضر بالمنطقة من خلال ما يقوم به في ليبيا، لكن هذه العملية، التي تمت بالجزائر،هي مقلقة،خاصة أن العمليات السابقة، كانت تقوم بها القاعدة بالمنطقة ومجموعة «اكمي» القاعدة في الغرب الإسلامي أو بقايا الإرهاب بهذا البلد بعد الحرب التي شهدها سابقا، وهذا يعني أن لا أحد بالعالم اليوم ، بمنأى عن العمليات الإرهابية ،لاسيما الجزائر، التي لم تتمكن من حل المعضلة الإرهابية على المستوى السياسي، رغم الحلول الأمنية، التي تمت إلى الآن. وعملية قسطنطين، تبين أن الجزائر، لا يمكن أن تكون بعيدة عما يقع بتونس سنة 2015 أو ما تعيشه ليبيا منذ سنوات.
– كيف ترى معالجة المغرب لظاهرة الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش بالمنطقة؟
– المغرب، كان من بين الدول الأولى، التي تعرضت لتهديدات داعش، عندما أعلنت تأسيس دولتها سنة 2014. وكما نعرف فإن المغرب يراهن على السياحة كأحد القطاعات الأساسية، التي تدر مدخولا ماليا مهما. وهدف داعش، ليس فقط وضع قنابل، وقتل أبرياء، بل هي تسعى –أيضا- إلى تهديم اقتصاد البلدان، ليس فقط عن طريق الإرعاب، بل بالمس بأحد المداخيل الأساسية، وكذا هدّ الدولة كما يحدث بالعراق،سوريا، ليبيا، مالي ونجيريا ..والمغرب ،هو أحد أعضاء التحالف الدولي، الذي يواجه الإرهاب،والمغرب هو أيضا إلى جانب السعودية في التحالف العربي، مما يجعل منه هدفا مفضلا لهذه المنظمة الإرهابية.
التقاه بباريس يوسف لهلالي