روبورتاجات

قبيل أذان المغرب… نساء يحرّكن اقتصادا موسميا من قلب المطابخ إلى الأسواق

 

مع اقتراب موعد الإفطار، تتبدل ملامح الأسواق الشعبية في مدن مغربية عدة. تتسارع الخطى، وتضيق المسافات بين الباعة والمتسوقين، فيما تفوح روائح الشباكية والسفوف والمسمن من زوايا الأزقة. خلف طاولات بسيطة، تصطف نساء يعرضن منتوجات أعددنها في بيوتهن منذ ساعات الفجر الأولى، في مشهد يتكرر كل رمضان، لكنه يخفي دينامية اقتصادية موسمية ذات أبعاد اجتماعية عميقة.
من المطبخ إلى السوق… دورة إنتاج يومية

تبدأ الحكاية بعد السحور مباشرة. في مطابخ متواضعة، يتحول الفضاء المنزلي إلى ورشة إنتاج مصغرة. عجنٌ وتقطيع، قليٌ في أوانٍ كبيرة، غمسٌ في العسل، ثم ترتيبٌ دقيق في صوانٍ معدّة للبيع. ساعات طويلة من العمل المتواصل، قبل الانتقال إلى السوق قبيل العصر لحجز مكان وسط المنافسة المتزايدة.
تقول إحدى البائعات إن «رمضان هو الموسم الوحيد الذي يمكن أن نوفر فيه دخلا إضافيا»، مشيرة إلى أن الطلب المتزايد على مكونات المائدة الرمضانية يفتح نافذة اقتصادية مؤقتة لنساء كثيرات، خاصة ربات الأسر وذوات الدخل المحدود.
يتميز الشهر الفضيل بارتفاع ملحوظ في الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالمواد الغذائية أو بالمستلزمات اليومية. هذا التحول في نمط الإنفاق يخلق بدوره فرصا موسمية، فالشباكية والسفوف والمسمن والمملحات ليست مجرد أطعمة عابرة، بل عناصر أساسية في طقوس الإفطار المغربية، ما يجعل الإقبال عليها كبيراً وثابتاً طيلة الشهر.
بالنسبة لعدد من النساء، يشكل هذا الطلب فرصة لتعزيز الموارد المالية للأسر، وتخفيف الضغط الناتج عن المصاريف الإضافية. وتؤكد بعضهن أن العائد، رغم تواضعه، يساهم في تغطية نفقات أساسية، من فواتير ومواد غذائية إلى متطلبات الأطفال.
بعد اجتماعي يتجاوز منطق الربح

لا يقتصر هذا النشاط على تحقيق دخل مادي، بل يحمل أبعادا اجتماعية واضحة، فهو يمنح النساء شعورا بالمشاركة الفعلية في إعالة الأسرة، ويعزز استقلاليتهن النسبية في تدبير شؤونهن، كما يرسخ شبكة علاقات محلية بين البائعة وزبائنها، قائمة على الثقة وجودة المنتوج. وتشير فاعلات جمعويات إلى أن هذه المبادرات تعكس قدرة النساء على التكيف مع السياق الاقتصادي، وتحويل المهارات المنزلية إلى قيمة مضافة، ولو في إطار غير مهيكل.
غير أن هذه الدينامية لا تخلو من إكراهات، فالمنافسة الشديدة داخل الأسواق، وارتفاع أسعار المواد الأولية، يفرضان ضغطا على هامش الربح. بعض البائعات يجدن أنفسهن مضطرات إلى خفض الأسعار لجذب الزبائن، ما ينعكس مباشرة على العائد اليومي. كما يطرح النشاط تحديات مرتبطة بشروط السلامة الصحية، في ظل غياب تأطير منتظم لجزء من هذه المبادرات. ورغم تأكيد العديد من البائعات حرصهن على النظافة وجودة التحضير، فإن توسع الظاهرة يطرح سؤال تنظيم القطاع بما يضمن حماية المستهلك وتحسين ظروف العمل.
يرى متابعون أن ما يحدث في رمضان يعكس وجها من وجوه الاقتصاد غير المهيكل، الذي ينتعش في مواسم محددة ثم يتراجع. ورغم طابعه المؤقت، فإن أثره ملموس على مستوى الأسر المستفيدة، ما يستدعي التفكير في آليات دعم وتأطير، عبر تشجيع صيغ تنظيمية مبسطة أو إدماج هذه المبادرات ضمن نسيج التعاونيات المحلية. فتمكين النساء من تكوينات في السلامة الغذائية والتسويق، وتوفير فضاءات عرض ملائمة، من شأنه أن يحول النشاط الموسمي إلى تجربة أكثر استدامة وربحية.
رمضان… روحانية وكدّ يومي

مع انطلاق أذان المغرب، تُطوى الطاولات سريعا، وتعود البائعات إلى بيوتهن للالتحاق بأسرهن حول مائدة الإفطار، غير أن يوم العمل لم ينتهِ بعد؛ فبعد صلاة التراويح، تبدأ مرحلة التحضير لليوم الموالي.
في هذا المشهد المتكرر، تتقاطع الروحانية مع ضرورات العيش اليومي، وبين رائحة العسل المقلي وحركة السوق المتسارعة، تتجسد قصص نساء اخترن أن يحوّلن مهارتهن في الطهي إلى مورد رزق كريم، ولو لأسابيع معدودة، في انتظار موسم جديد يحمل أملاً آخر.