لم يكن سمك السردين يوماً مجرد منتوج بحري عادي في المغرب. فقد ظل لعقود طويلة يُعرف بـ”سمك الفقراء”، نظراً لوفرة عرضه في الأسواق وأسعاره التي كانت في متناول أغلب الأسر المغربية. غير أن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تتجسد بشكل واضح في الآونة الأخيرة مع الارتفاع اللافت في أسعاره داخل عدد من الأسواق، ما أثار موجة من التساؤلات والنقاشات بين المستهلكين والمهنيين والفاعلين في قطاع الصيد البحري.
ففي الوقت الذي يعزو فيه البعض هذا الارتفاع إلى عوامل طبيعية مرتبطة بفترات التوالد وهيجان البحر، يذهب آخرون إلى أن ما يحدث اليوم يعكس اختلالات أعمق في تدبير قطاع الصيد البحري، خصوصا ما يتعلق بتطور أسطول الصيد، وأنظمة الترخيص، وآليات تسويق المنتوجات البحرية.
ولفهم هذه الظاهرة بشكل أدق، تبدو العودة إلى آراء المهنيين والفاعلين في القطاع خطوة أساسية لفهم الخلفيات الحقيقية لما يجري.
الرسوم والاقتطاعات والنقل والتوالد ترفع اثمنة السمك
انطلق مزاد اول أمس الأحد بميناء الجديدة فيما يخص سمك السردين بتسعة دراهم واستقر في عشرة كبيع اولي وعندما وجهنا سؤالنا إلى صاحب مركب صيد ساحلي تمكن من اصطياد ما يناهز طن واحد من سمك السردين عن ارتفاع ثمنه لدى المستهلك حيث يناهز 20 درهم في الأسواق المحلية وأكثر بالبيضاء ومناطق أخرى أكد أنه إذا كان ثمن الكيلوغرام من السردين في ميناء الجديدة اليوم يبلغ حوالي 10 دراهم، فإن هذا السعر لا يبقى على حاله إلى حين وصوله إلى المستهلك في الدار البيضاء. فبمجرد تفريغ السمك في الميناء، تُضاف مجموعة من الرسوم والاقتطاعات التي ترفع الكلفة تدريجياً.
وتشمل هذه التكاليف اقتطاعات ورسوم الميناء لفائدة عدد من المتدخلين، من بينها خدمات التسويق داخل سوق السمك ورسوم الجماعات المحلية، والتي قد تصل في مجموعها إلى حوالي 1.5 درهم للكيلوغرام. كما تضاف مساهمة مرتبطة بالضمان الاجتماعي ومصاريف مهنية أخرى في حدود نصف درهم.
ولا تتوقف التكاليف عند هذا الحد، إذ يتطلب الحفاظ على جودة السمك استعمال الثلج والصناديق ووسائل التعبئة، وهي مصاريف تقارب درهماً واحداً للكيلوغرام. كما تُضاف كلفة النقل عبر شاحنات مبردة من ميناء الجديدة إلى أسواق الدار البيضاء، وتُقدر بحوالي 1.5 درهم، إلى جانب أجور العمال المرتبطة بعمليات التفريغ والتحميل والتوزيع والتي تناهز درهماً واحداً.
وباحتساب هذه التكاليف مجتمعة، تصل الكلفة التقريبية للكيلوغرام إلى نحو 17.5 درهماً قبل عرضه للبيع بالتقسيط. بعد ذلك يضيف بائع السمك هامش ربحه لتغطية مصاريف المحل من كراء وكهرباء وخسائر محتملة في المنتوج، وهو هامش يتراوح غالباً بين أربعة دراهم وستة دراهم.
وبذلك ينتقل ثمن السردين من حوالي 10 دراهم في الميناء إلى ما بين 20 و 25 درهماً للكيلوغرام في أسواق الدار البيضاء في الظروف العادية، وهو ما يفسر الفارق بين سعر المصدر والسعر الذي يؤديه المستهلك
كما أن هذه الفترة من السنة تتزامن غالباً مع موسم توالد أسماك السردين، إضافة إلى تأثير سوء الأحوال الجوية، وهو ما يؤدي إلى تراجع الكميات المصطادة في بعض الأيام، ويزيد من الضغط على الأسعار في الأسواق فيما يمكن أن يبلغ الثمن في فاس أو مكناس أو الرباط إلى 35 درهم على الأقل الا انه ابتداء من ماي يمكن أن تستقر الأثمان ولن يتعدى في باقي المدن 13 درهم حسب نفس المحاور
تجميد رخص الصيد…
قرار قديم يثير الجدل
يرى عدد من الفاعلين في قطاع الصيد البحري أن جذور الإشكال تعود إلى بداية التسعينيات، حين أعلنت السلطات الوصية سنة 1992 قراراً يقضي بتجميد منح رخص جديدة للصيد البحري. وقد جاء هذا القرار في سياق الرغبة في الحد من الضغط المتزايد على الثروة السمكية وضمان استدامة المصايد البحرية.
غير أن هذا القرار، حسب مهنيين، لم يواكبه تطبيق صارم أو رؤية شاملة لضبط قدرات أسطول الصيد. فبدلاً من الرفع من عدد المراكب، جرى في المقابل السماح بتكبير حجم المراكب القائمة ورفع قدرتها الاستيعابية.
ويقول (ع ب )، وهو ربّان مركب صيد بسواحل الأطلسي، إن هذا التحول كان له أثر كبير على القطاع. ويضيف في حديثه:» في السابق كانت أغلب مراكب السردين صغيرة أو متوسطة الحجم، وكانت حمولتها تتراوح في الغالب بين طنين وثلاثين طناً. لكن مع مرور السنوات بدأت عمليات توسيع المراكب، وأصبحت بعض المراكب تصل حمولتها اليوم إلى حوالي تسعين طناً”.
ويؤكد المتحدث أن هذا التطور التقني سمح برفع القدرة الإنتاجية للمراكب بشكل كبير، لكنه في المقابل أدى إلى زيادة الضغط على الموارد البحرية.
بحارة: البحر لم يعد كما كان
الحسين ع ، وهو بحار يعمل منذ أكثر من ربع قرن في قطاع الصيد الساحلي، يرى أن التغيرات التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة أصبحت واضحة حتى بالنسبة للبحارة أنفسهم ويقول: من يشتغل في البحر يلاحظ الفرق. في الماضي كانت أسراب السردين تظهر بكثرة، وكانت الرحلات البحرية تعود غالباً بكميات مهمة. اليوم أصبح الأمر أكثر صعوبة في بعض الفترات، ونحتاج أحياناً إلى وقت أطول للعثور على الكميات نفسها”.
ويضيف أن تطور وسائل الصيد وارتفاع قدرة المراكب على جمع الأسماك جعل البحر يتعرض لضغط أكبر، خصوصاً فيما يتعلق بالأسماك السطحية مثل السردين والأنشوبة.
مراكب الجر… بين التطور التقني والجدل البيئي
من بين النقاط التي يثيرها المهنيون أيضاً مسألة الترخيص لما يُعرف بمراكب الجر المخصصة لصيد الأسماك السطحية والمجهزة بأنظمة تبريد بمياه البحر. هذه المراكب، التي تعتمد على تقنيات متطورة، قادرة على اصطياد كميات كبيرة من الأسماك في وقت قصير.
محمد غ ، وهو صاحب مركب صيد في الجديدة ، يعتبر أن هذه المراكب أثارت الكثير من الجدل داخل القطاع. ويقول:» هناك من يرى أنها وسيلة حديثة تواكب تطور الصيد البحري، لكن هناك أيضاً من يعتبرها مراكب مدمرة للثروة السمكية إذا لم يكن عملها مضبوطاً بشكل صارم”.
ويضيف أن هذه المراكب تستطيع جمع كميات ضخمة من الأسماك خلال رحلة واحدة، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف المصايد إذا لم تتم مراقبة نشاطها بدقة.
في المقابل، يرى بعض الفاعلين أن التطور التقني في قطاع الصيد أمر لا مفر منه، لكنه يتطلب مواكبة تنظيمية تضمن استغلالاً عقلانياً للموارد البحرية.
قرار التجميد ساهم في استنزاف الثروة البحرية
اتُّخذ قرار تجميد رخص الصيد في المغرب سنة 1992 في سياق مهني خاص، بعدما اقترحه حرفيو الصيد ومجهزو المراكب بسبب تزايد الضغط على الثروة السمكية، ومحدودية الموانئ المخصصة للصيد، إضافة إلى مؤشرات على تراجع بعض المخزونات البحرية. وكان الهدف من هذا القرار الحد من توسع الأسطول البحري والحفاظ على استدامة الموارد السمكية.
غير أن عدداً من المهنيين يرون أن روح هذا القرار لم تُحترم بشكل كامل خلال السنوات اللاحقة. فبدلاً من زيادة عدد الرخص، تم السماح بتوسيع حمولة عدد من المراكب، وهو ما أدى عملياً إلى رفع القدرة الإجمالية على الصيد.
ففي قطاع الصيد الساحلي مثلاً، كانت حمولة المراكب تتراوح بين طنين و30 طناً، قبل أن يسمح بتكبيرها لتصل في بعض الحالات إلى نحو 90 طناً. كما شهد الصيد التقليدي بدوره تغييراً مماثلاً، إذ ارتفعت حمولة القوارب من سقف طنين إلى نحو ثلاثة أطنان.
وفي المقابل، تم الترخيص أيضاً باستيراد مراكب صيد الأسماك السطحية المجهزة بتقنية التبريد بمياه البحر (RSW)، وهي سفن ذات قدرة كبيرة على الاصطياد والتخزين، ما أثار تخوفات لدى بعض المهنيين بشأن تأثيرها على توازن المخزون السمكي.
ويرى متابعون أن استمرار ارتفاع القدرة على الصيد دون مراعاة كافية لفترات الراحة البيولوجية قد يفاقم الضغط على الثروة البحرية، التي تشكل مورداً استراتيجياً للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. لذلك، يظل التحدي المطروح اليوم هو تحقيق التوازن بين تطوير القطاع وضمان استدامة الثروة السمكية للأجيال المقبلة.
آلية المزاد… حين يتحكم السوق في الأسعار
إلى جانب هذه العوامل المرتبطة بقطاع الصيد نفسه، يلعب نظام تسويق الأسماك دوراً مهماً في تحديد الأسعار داخل الأسواق المغربية.
ففي أغلب موانئ المملكة، يتم بيع الأسماك عبر نظام المزاد العلني داخل أسواق السمك بالجملة. وفي هذا النظام يتحدد السعر وفق توازن العرض والطلب.
عبد القادر ز، وهو تاجر سمك بالجملة، يوضح أن الأسعار ترتفع تلقائياً عندما تكون الكميات المعروضة قليلة مقارنة بحجم الطلب ويقول: إذا وصلت إلى السوق كميات قليلة من السردين، وكان الطلب مرتفعاً من طرف التجار أو المصانع، فإن السعر يرتفع مباشرة في المزاد. وهذا الارتفاع ينتقل بعد ذلك إلى الأسواق بالتقسيط”.
ويضيف أن الطلب على السردين في المغرب يظل مرتفعاً طوال السنة، نظراً لاعتماد الأسر المغربية عليه في الوجبات اليومية، إضافة إلى الطلب الصناعي المرتبط بوحدات تعليب السمك.
العوامل الطبيعية… دور البحر والمناخ
لا يمكن أيضاً إغفال تأثير العوامل الطبيعية في تحديد حجم المصطادات البحرية. فالسردين، مثل غيره من الأسماك، يخضع لدورات بيولوجية مرتبطة بفترات التوالد والهجرة داخل البحر.
عبد السلام إ، وهو بحار يعمل في الصيد الساحلي، يوضح أن الفترة الحالية تتزامن مع مرحلة حساسة في حياة الأسماك. ويقول: “خلال فترة التوالد تتغير حركة الأسماك في البحر، وتصبح عملية الصيد أكثر صعوبة. كما أن هيجان البحر في بعض الأيام يمنع المراكب الصغيرة من الخروج للصيد”. ويضيف أن هذه الظروف الطبيعية تؤدي إلى تراجع الكميات المعروضة في الأسواق، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار.
خبراء: التحدي هو الاستدامة
في المقابل، يرى عدد من الخبراء في الاقتصاد البحري أن ارتفاع أسعار السردين يعكس تحدياً أعمق يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين استغلال الثروة السمكية والحفاظ عليها.
ويشير أحد الباحثين في مجال الاقتصاد البحري إلى أن المغرب يتوفر على واجهتين بحريتين غنيتين بالموارد، لكن تدبير هذه الموارد يتطلب رؤية طويلة المدى تقوم على أسس علمية دقيقة. ويضيف أن الحفاظ على المخزون السمكي يمر عبر عدة إجراءات، من بينها ضبط قدرات الأسطول البحري، واحترام فترات الراحة البيولوجية، وتعزيز البحث العلمي البحري من أجل تتبع تطور المخزون السمكي.
السردين… مرآة لواقع
قطاع كامل
في نهاية المطاف، يبدو أن ارتفاع أسعار السردين ليس مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بمنتوج واحد، بل هو انعكاس لوضعية قطاع كامل يعيش تحولات عميقة.
فقطاع الصيد البحري يشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المغربي، ويوفر آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، كما يساهم بشكل مهم في تزويد الأسواق المحلية بالمنتوجات البحرية.
لكن استمرار ارتفاع الأسعار يطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل هذا المورد البحري، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية وتطور تقنيات الصيد والطلب المتزايد على المنتوجات البحرية.
وبين قلق المستهلكين ومطالب المهنيين بإصلاحات أعمق في تدبير القطاع، يظل السردين في المغرب أكثر من مجرد سمكة في السوق؛ إنه مؤشر دقيق على توازن معقد بين البحر والاقتصاد والمجتمع، توازن يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رؤية واضحة تضمن استدامة الثروة البحرية وتحافظ في الوقت ذاته على قدرة المواطن المغربي على الوصول