كسر الخاطر

حصيلة الحكومة و… نسبة النمو الديموقراطي!

ليس لرئيس الحكومة الذي يستعد لوداعنا أي يد في تمرين تقديم الحصيلة في نهاية الولاية. فهذا تقليد يعود التأسيس له إلى الفقيد الوطني الكبير عبد الرحمان اليوسفي، الذي ختم ولايته التوافقية بتقديم الحصيلة يوم فاتح غشت 2002…أياما قليلة قبل أن يتقدم إلى المواطنين والمواطنات، للحكم على تجربته في التدبير العمومي، بناء على عقد سياسي وسيادي يمس البنية العامة للسياسة المغربية، وكان له أن حقق أول انتخابات غير مطعون فيها في البلاد، لا سياسيا ولا أخلاقيا، وأول انتخابات تضع المغرب أمام امتحان المنهجية الديموقراطية، والفارق بين شرعية الاقتراع السياسي الشعبي وقرار التعيين، كما كان مؤطرا في دستور 1996، والذي شكل الوعاء القانوني والسياسي لاتخاذ القرار.
وإذا كان الذين جاؤوا بعد اليوسفي قد حافظوا، بهذا القدر أو ذاك، على التقليد ذاته، سواء قبل أو بعد الربيع العربي، فإن وقعه لا يكون عادة هو نفسه. إذ إن الاختلافات كانت في جوهر التوازن السياسي داخل الحقل الوطني، وكذلك داخل تدبير هاته التوازنات ، وحضور الفاعل الخارجي في تأطير المناخ الداخلي الوطني…
ومهما تعددت زوايا المعالجة، فإن ما يمكن أن يمثل زاوية مناسبة هو مدى ما حققته التجربة في التراكم الديموقراطي،( كمعيار للنمو الديموقراطي وإن كان غير قابل للقياس الكمي ) والتوازن بين المؤسسات وتفعيل مقتضيات الدستور المتوافق عليه وطنيا والنجاح في تنزيل التوافقات الوطنية الكبرى، التي تشكل مخططات عمل طويلة النفس .وإن كان النمو هنا لا يمكن تقديره كميا كما هو حال نسبة النمو الاقتصادي الذي قد يُعتمد كمعيار في شرعية الإنجاز !
بمعنى آخر، هل كانت الولاية التي ودعناها تراكما إيجابيا في الرأسمال الديموقراطي أم لا؟
وهل يمكن أن نقول إنها تجربة متقدمة عما سبقها أم راوحت مكانها في المُؤطَّر السياسي نفسه ؟
للإجابة ننطلق من القول بأنه من المفترض أن تكثف لحظة وداع الحكومة، نقاشا واهتماما كبيرين، واندفاعة نحو الممارسة السياسية، وتيارا داخل المجتمع للمشاركة…
أو بلغة الإحصاء نشهد في سياق مناقشتها ارتفاعا وتسارعا مضطردا في النمو الديموقراطي، ينعكس من خلال شعور قوي بمتابعة ما يقدمه رئيس الحكومة أمام البرلمان وما يترافع بخصوصه …
والحال أن الذي خرج في حالة وهن هي الديموقراطية والمشاركة نفسها، على الأقل من خلال ما جرى :
ـ التجربة نفسها جاءت على أساس نتائج انتخابات لا علاقة لها بالتمايز والتباين على قاعدة البرامج والأطروحات، اللهم إلا شبه اتفاق عام على ضرورة مواجهة «التحكم « المستجد الذي أفرزته تجربة بنكيران وما تلاها، مقابل «التحكم» المنافس له، والذي شكل مادة لحملة حزبه لأجل الصراع على المقاعد.
والتجربة نفسها وصلت بنا إلى تغول سياسي ثلاثي التركيبة استولى على الطوابق كلها للبناء السياسي المؤسساتي المغربي، من الجماعات الترابية إلى الأقاليم إلى الجهات إلى الحكومة، أي كامل التراب المؤسساتي، حيث تمارس السياسة وتسطر البرامج وتوضع الآفاق.
ـ التجربة نفسها لم تشجع على نقاشات عمومية واسعة النطاق، بل إن أغلبية المواضيع التي استرعت النقاش المجتمعي، كانت الحكومة غائبة فيها، حتى رأينا المعارضة هي التي تدافع عن المشاريع المتعلقة بالإصلاحات الجوهرية كالمدونة، في حين ذابت الأغلبية المتغولة في الفضاء العمومي، وزاد من الفقر الديموقراطي ما عرفته المؤسسات الديموقراطية، من برلمان ومجالس، من هيمنة الصوت الواحد وتعطيل حقوق المعارضة وحرب ضروس علي المجالس التشاركية كلما كانت أصواتها مغايرة لأصوات الأغلبية…
تعطيل وعود الدستور، من خلال الالتفاف على روحه باستعمال تقنيات نصه، في محاسبة الحكومة عبر تقصي الحقائق أو ملتمس الرقابة، وفي القواعد العامة للرقابة على فعلية القوانين، سواء من خلال تحجيم مبدأ محاربة الفساد ( سحب مشروع الإثراء غير المشروع ) أو من خلال معاداة مجالس الحكامة حول الرشوة والفساد، أو من خلال تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، كشرط جديد من مقومات دستور المملكة في عهد محمد السادس.
ـ التجربة نفسها، بالرغم من انفجار بؤر التوتر الاجتماعي داخل الفضاء العمومي، حيث لم تبق أية فئة حرة أو اجتماعية لم تخرج إلى الشارع، حتى باتت لهذا الأخير الأسبقية في تنظيم الخلاف داخل المجتمع، لم تثبت قدرة المؤسسات على المواجهة، الشيء الذي جعل المؤسسة الملكية تتدخل غير ما مرة لضبط إيقاع الفضاء العمومي ( الحركات الاحتجاجية ذات البعد الطويل كما في حالة القلق الاجتماعي الذي برز مع جيل زيد).
ـ لم تسارع الحكومة إلى توفير الحد الأدنى من المناخ الديمقراطي للنقاش حول التغييرات التي يفرضها وازع المشاركة الواسعة، وتقليص نزوع المواطنين نحو العزوف. كما تأخرت في فتح النقاش حول الترسانة الانتخابية التي كان الاتحاد أول من ترافع عنها ولقيت تجاوبا ملكيا، في حين ظلت الحكومة تراقبه دون حماس حقيقي لتفعيل مقتضياته الكفيلة ببعث رسائل ثقة. ولا يمكن، في سياق هذا النمو الديمقراطي البطيء، إغفال شبهات المحاكمات التي أصبحت فيها وجوه من الهيئة الحكومية عنوانا لتدني الأداء الديمقراطي، كمحاكمات «الباطرونا» والإفلاس المؤسساتي، والتعطيل المتعمد للإمكان الديمقراطي المحلي والجهوي.
لنعالج الأمر بشكل مغاير: هل يمكن لمن ينصت للحصيلة أن يجد التحفيز الديموقراطي الكافي للمشاركة في انتخابات شتنبر القادم؟ هل ستعتمد أحزاب الأغلبية نفسها هذه الحصيلة -رغم الشكوك حولها – من أجل التحفيز على المشاركة، أم أنها ستعود إلى الأسلوب الناجح في التحفيز المالي للمواطنين والمواطنات لدفعهم نحو المشاركة؟
هذا هو السؤال الشكسبيري المقلق الذي نتمنى ألا نضطر للجواب عنه بالسلب !