اقتصاد

العالم القروي خارج «الرادار البنكي».. بنك المغرب يكشف عن 450 جماعة محرومة من الخدمات المالية

كشف عبد الرحيم بوعزة، المدير العام لبنك المغرب، عن واقع صادم يتمثل في وجود 450 جماعة قروية لا تتوفر على أي نقطة ولوج للخدمات المالية، وهو المعطى الذي ألقى بظلاله على ندوة «الإدماج المالي في الوسط القروي» المنظمة ضمن فعاليات الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس. هذا الرقم الذي يعكس عمق العزلة المالية في القرى، شكل منطلقا لنقاش صريح شارك فيه مسؤولون رفيعو المستوى لتشريح مكامن الخلل في المنظومة التمويلية التي تحول دون تحقيق الإدماج السوسيو-اقتصادي المنشود للساكنة القروية، معتبرين أن الإدماج المالي ليس مجرد ترف تقني بل هو وسيلة حيوية لتحويل الفلاحة المعيشية إلى قطاع منتج وصامد.
وتجلت مكامن الإشكالية، من خلال تحليل المداخلات، في وجود هوة سحيقة بين الطموحات الوطنية والواقع الميداني، حيث أشار عبد الرحيم بوعزة إلى أن الإدماج المالي سيرورة تتطلب التزاما مستمرا لتحقيق الولوج الفعلي للأفراد والمقاولات إلى خدمات بأسعار معقولة. وأكد أن الاستراتيجية الوطنية منذ 2019 تستهدف الوسط القروي والنساء والشباب كأولويات، نظرا للفجوات الكبيرة المسجلة، منبها إلى أن استخدام الأداء عبر الهاتف المحمول (Mobile Payment) لا يزال ضعيف التطور في القرى، بالإضافة إلى استمرار عوامل سوسيو-ثقافية تحد من تملك الخدمات المالية وتساهم في غلبة الممارسات غير المهيكلة.
من جانبه، عمق محمد طارق بشير، مدير الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، تشخيص الأزمة بربطها بالسيادة الغذائية، معتبرا أن الحديث عن الفلاحة دون تمويل هو «حديث عن طموح دون وسائل». وأوضح أن الاقتصاد الذي يقصي أراضيه القروية لا يمكنه تحقيق نمو شامل، خاصة وأن الوسط القروي فقد ما يقرب من مليون منصب شغل منذ 2019. وأكد بشير أن التحدي الحقيقي يكمن في جعل الأداء الرقمي حقيقة ملموسة لسكان القرى وليس امتيازاً لساكني المدن، مشيرا إلى أن الإدماج المالي القروي ليس موضوعاً تقنيا للخبراء بل هو ركيزة للسيادة وشرط للتنمية المستدامة.
وفي سياق متصل، شدد محمد أوحساين، المدير المالي بوزارة الفلاحة، على أن الحاجة للمواكبة المالية في المناطق القروية تظل ملحة وضرورية لتقليص الفوارق المجالية. وأبرز أوحساين أن التحديات التي يفرضها التغير المناخي والتحولات الاقتصادية تفرض تعزيز صمود القطاع عبر إرساء منظومة مالية شاملة وفعالة، معترفا بأن الوصول للخدمات المالية الرسمية لا يزال يحتاج إلى مجهودات مضاعفة لتكييف الأدوات المالية مع خصوصيات الفلاحين الصغار والنساء والشباب الذين يشكلون رافعة النسيج الاقتصادي القروي.
وفي مواجهة هذه الإشكاليات المعقدة، طرح المسؤولون حزمة من الحلول الاستراتيجية والإجراءات الميدانية، حيث أعلن بوعزة عن توجه بنك المغرب لفرض تغطية الجماعات المعزولة من طرف الفاعلين البنكيين، والرهان على «مركز المغرب للتكنولوجيا المالية» لدعم منصات «Agri-Tech» المبتكرة. كما أشار إلى دور «المؤسسة المغربية للثقافة المالية» في تكوين ربات البيوت والحرفيين حول تدبير المداخيل الموسمية والادخار، مؤكدا على أهمية «التحويل الفوري» كآلية فعالة استجابت لاحتياجات السكان في عام 2023.
بدوره، كشف محمد طارق بشير أن تعميم الحماية الاجتماعية، برؤية ملكية متبصرة، مثل رافعة أساسية عبر رقمنة التحويلات المالية للدولة، حيث خصصت ميزانية 40 مليار درهم لعام 2026 لتمويل هذا الورش، مما مكن فئات كانت خارج القنوات التقليدية من الوصول للخدمات البنكية. واستعرض أرقاما دالة على الحلول التمويلية القائمة مثل برنامج «تمويلكم» الذي عبأ 54.2 مليار درهم، مؤكداً أن الهدف القادم هو الانتقال من مجرد امتلاك حساب إلى الاستخدام اليومي والملائم للخدمات.
أما وزارة الفلاحة، فقد طرحت عبر محمد أوحساين خارطة طريق عملية ترتكز على خمسة محاور: التربية المالية، رقمنة الخدمات، تطوير الأداء عبر الهاتف، توسيع التأمين الفلاحي الشامل، وتسهيل التمويلات المكيفة. وتوجت هذه الحلول بتوقيع اتفاقية إطار مع الجمعية المهنية لمؤسسات الأداء، وإطلاق أول عملية نموذجية لتجهيز 50 تعاونية فلاحية بأجهزة الأداء الإلكتروني(TPE).
ويسعى تظافر هذه الجهود لتحويل الإدماج المالي إلى واقع ملموس يستجيب لانتظارات فلاحي سوس ومربي الشرق ونساء الحوز، بعيدا عن الخطابات الخشبية، لضمان فلاحة عصرية، صامدة وشاملة.