كسر الخاطر

المسرح الملكي قطعة من شغف.. ومن خلود

عندما نشيد معلمة، مثل المسرح الملكي في الرباط، نكون في الواقع نبني لحظة من التاريخ. كل حجارة فيها توقيت، وكل لحظة من الحاضر يرفعها الجمال إلى … المستقبل، يستأمنها عليه.
ونخلق بالموازاة مع ذلك شعورا بالأبدية سرعان ما يكون له أثره في تغيير صورة المغربي عن نفسه، وعن بلاده. أجمل المسارح هو الذي يفجر أجمل ما في الشعوب، والمغرب من بينها، يَعِز الجمال والذكاء عادة، لكنهما يتحولان إلى المادتين الأساسيتين من مواد البناء.
شاءت برقية السيدة زها حديد، ترويض الخيال ليشبه حاضنته في أبي رقراق. شاءت برقيتها أيضا أن تنتمي إلى المشهد المغربي إلى الأبد. لقد حولت هندستها الانسيابية المسرح نفسه إلى صدى لنهر أبي رقراق. دون سراب بصري، تتماوج البناية كلما حضر النهر في الذاكرة. الهندسة بهذا المعنى هي موسيقى الماء وقد تجمدت، وقد صارت حاله روحية.
باتت بناية المسرح جزءا من الفضاء العمراني وجزءا من مناخه التاريخي، غير بعيد عن صومعة حسان، هنا زمانان ملكيان، زمن المنصور الموحدي ومحمد السادس العلوي. حجزت من تضاريس جغرافيا تكون فيها الهندسة من مياه، تنساب والعمارة سائلة.
على النهر لا توجد سوى ثلاثة مسارح في العالم : مسرح شكسبير في لندن على ضفاف نهر التايمز، ومسرح أفيروني الأول على نهر اديجي بسان بيترو، والمسرح الملكي.
حدث أن ملك المغرب، شيد فكرة المسرح الكبير، كما أطلق العديد من المباني ذات البعد المنذور للزمن، بالقرب من جامع حسان، حيث الروح العميقة الآمنة، في شموخ وسمو الجامع، تسهر على أبنائها الحاليين وتقودهم في مسالك الزمن القادم، أي لحظة سمو إنساني. هنا المعمار، هو الشكل المادي للشغف، للعاطفة. الشكل الحاضر للغد.
البناء العمراني الحالي، هو تمرين الفراغ على شكل فائق البهاء. تمرين الخيال الأثيري على هيكل مادي يحوزه.
لا يمكن أن تبدع في الهندسة، دون حب، دون حب جارف وشغف عميق يحول الأرض إقامة سعيدة. والمهندس، هو من القلة القليلة من المبدعين الذين يتجولون ومعهم مستقبل الغد، فكل ما يضعه أو يصممه لا بد أن يصمد إلى حين يصل المستقبل.
عندما تبني لا بد من أن تفكر في الأطلال التي ستظل واقفة بعد قرن وألف عام…
الشموخ يصنع في اللحظة التي تكون الحجارة بكامل هيكلها.
هذا المسرح، لا يمكن أن يظل دون أن يرتقي بالمحيط إلى ما هو أعلى.
بالحوار الحداثي، الذي يتجسد في البرج المجاور له، وبالتحيين الدائم للنبوغ المغربي. هنا شاعرية غامرة في المسرح، تجعل من العمران التعبير الرئيسي عن البشرية، ولحظة تسجيل لكل حالاته. تارة بالقوة وتارة بالذكاء ودوما بالجمال.
سيكون على المسرح أن يخلق حركة أخرى أعمق، داخل الإنتاج المسرحي.
نحن راكمنا العديد من القواعد في تشييد هذا القطاع المسرحي المهم، ونحن نحتاجه في إعادة النظر في مكانة المسرحي بعد المسرح، والمسرح بعد المسرحي.
من أجل أن تصبح اللحظة المسرحية لحظة وقطعة من اليومي الفني، في مغرب يريد أن يساير حركة الثقافة العامة.
لو أن هذا العمران كان استثناء، كان من الممكن أن تختزله في ضربة مجد عابرة، لكنه يدخل ضمن تأهيل علمي للعاصمة، والبلاد، حيث يتراكب الفعل الثقافي كفلسفة حياة في المغرب. هناك حركة ثقافية بدأت من دستور 2011، حيث أصبح للمغرب دستور ثقافي، التجأ إلى الاعتماد على المثقفين في وضع تصور للمغرب الجديد واجتراح المستقبل والنقاش والاقتراب من الحقيقة والهوية وتقفي آثار الدعوات الاجتماعية وتسطير الانتقالات التي لا بد منها للمغرب الصاعد.
هنا تكون الثقافة أرضية فعلية للحقيقة، والعدل والجمال.
الثلاثية التي يُعدُّ ترتيبها ضرورة في المدينة من أجل قيام صرح ثقافي.
لا يخفي هذا الطموح نحو الأعلى والتطلع إلى جمالية فريدة ضرورة أن ترقى الممارسة المهنية إلى هذا المستوى، حتى لا تسقط في المألوف وفي الترهل الذي أصاب ما قبلها.

لدينا تاريخ مسرحي، وأصبح لنا نموذج في هندسة المسارح، ولدينا فنانون وفنانات، وننتظر أن تصبح ظروف الانتقال إلى مرحلة عليا من المسرح موعدا وخبزا يوميا…
ولدينا قوانين وقاعدة، لابد من تجويدها حتى لا نكون أقل من هذه البناية. ومن حسنات ما يحصل بالفعل، أن المسرح سيساعدنا بالروح الجديدة التي عبر عنها الجميع وهو يتابع افتتاح المسرح الملكي في العدوتين.
انسيابية الهندسة، وتدفقها البهيج، مفتاح موسيقي لحركية من مستويات رفيعة تجعل المسرح وعدا مغربيا يوميا، وتجعل المسرحيين متصوفة الإبداع الجدد، الذين يتحركون في مجال صحي وعيش كريم، وتدبير يرتقي بمحيطه المباشر وغير المباشر.
المسرح عندما يتحول إلى فضاء نحكم على الحياة من خلاله، أي من جودة الضوء فيه، من ذبذبات الصوت وارتفاعاته، والروائح التي تتعتق من أجل التاريخ، في الخشب وفي المُقرْنصات الدمشقية الغرناطية، وفي حركات الأجساد فوق الخشبة.