تعيش الدار البيضاء على وقع تحولات عميقة، في أفق الاستحقاقات الدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030. غير أن هذا التحول السريع يطرح أسئلة حارقة حول كلفته الاجتماعية والعمرانية على الساكنة البيضاوية.
كازا ورش مفتوح… مشاريع ضخمة
تعكس التحول
مع اقتراب المواعيد الرياضية الكبرى، وعلى رأسها الحلم الأكبر “مونديال 2030″، أطلقت السلطات حزمة من المشاريع المهيكلة التي ستغير وجه المدينة وشكل التنقل فيها للأبد:
-ملعب الحسن الثاني الكبير
يتصدر المشهد مشروع ملعب الحسن الثاني الكبير بمنطقة بنسليمان، هذه الأيقونة المعمارية التي تشيد على مساحة 100 هكتار بجماعة المنصورية مرشحة لتكون الأكبر عالميا بسعة تصل إلى 115 ألف متفرج. بدأت الأشغال منذ غشت2024 واستفاد الورش من استثمارات ضخمة لتجهيز المنطقة المحيطة به لتكون مدينة رياضية متكاملة.
وفي إطار تسريع وتيرة الإنجاز، أطلقت الوكالة الوطنية للتجهيزات العمومية (ANEP) طلب عروض ضخم للتجهيزات العمومية، ويتعلق بالحصة رقم 5 ((Lot n°5) من مشروع بناء هذا الصرح الرياضي الكبير .
الصفقة ستخص أشغال السوائل ” (Plomberie et Fluides) بميزانية تقديرية تصل إلى 763.7 مليون درهم .
كما ستشمل هذه الحصة حزمة متكاملة من التجهيزات الحيوية لضمان عمل المنشأة وفق المعايير الدولية للفيفا.
الوكالة الوطنية حددت مدة 20 شهرا كحد أقصى لإنجاز هذه الأشغال، وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من الصفقات الكبرى التي تم إطلاقها سابقا، أبرزها صفقة الأشغال الكبرى (3,4 مليار درهم) وصفقة الكهرباء والواجهات (5,4 مليار درهم). ومن المقرر أن تنتهي كافة الأشغال بالملعب بحلول عام 2028.
– فك الاختناق: ثورة في شبكة
النقل والربط
لا يمكن بناء ملعب عالمي دون شبكة نقل تضاهيه قوة. لذا، تشهد الدار البيضاء مشاريع طرقية وسككية غير مسبوقة:
الطريق السيار القاري (الرباط – الدار البيضاء): شريان المونديال الجديد، ففي إطار الثورة البنيوية التي يشهدها المغرب استعدادا للاستحقاقات العالمية الكبرى (مونديال 2026 و2030)، يبرز مشروع الطريق السيار القاري كواحد من أضخم المشاريع الطرقية في القارة الإفريقية. يمتد على مسافة 60 كيلومترا، موازيا للطريق السيار الحالي ولكن بعمق أكبر في اليابسة. رُصد للمشروع غلاف مالي إجمالي يناهز 6.5 مليار درهم، وينطلق من منطقة تامسنا (المدار الالتفافي للرباط) وينتهي عند تيط مليل (المدار الالتفافي للدار البيضاء).
أما عن الجدول الزمني فقد حُددت مدة الإنجاز في 30 شهرا، حيث انطلقت الأشغال الكبرى فعليا مطلع عام 2026 ليكون جاهزا بالكامل في أواخر عام 2028، سيمر الطريق عبر أقاليم حيوية شملت جماعات: سيدي علال البحراوي، بنسليمان، المنصورية، عين تيزغة، وسيدي حجاج واد حصار. الهدف الرئيسي لهذا المسار هو ربط العاصمتين بـملعب الحسن الثاني الكبير ببنسليمان، وتوفير منفذ سريع للجماهير والسلع بعيدا عن ضغط الطريق الساحلي، ويخترق الطريق مناطق ذات حساسية بيئية عالية، بما فيها غابات بنسليمان ومحيط الأودية الكبرى (واد المالح، واد نفيفيخ، واد الشراط). يتطلب هذا بناء منشآت فنية (قناطر وجسور) ضخمة لحماية الموارد المائية، وهي مهمة أوكلت لشركات هندسية كبرى لضمان توازن المشروع مع محيطه الطبيعي.
-مشروع الشبكة السككية الجهوية (RER) في جهة الدار البيضاء-سطات
يعد هذا المشروع حجر الزاوية في خطة النقل لاستضافة مونديال 2030، حيث يهدف إلى ربط شرايين المدينة الكبرى ببعضها البعض وبالملاعب الجديدة بسرعة وكفاءة عالية. وبكلفة 140 مليون درهم. ستبلغ ذروة الأشغال بهذا المشروع بين 2026و 2028، في ما ستكون سنة 2029 هي سنة انطلاق التجارب التقنية ومرحلة التشغيل التجريبي، وذلك قبل عام من موعد المونديال.
الهدف الأول من “مترو الدار البيضاء فوق الأرض”، والذي سيحدد نجاح المدينة في إدارة تدفق ملايين المشجعين والساكنة في 2030، هو تأمين تنقل الجماهير بين مطار محمد الخامس، وسط الدار البيضاء، وملعب الحسن الثاني الكبير في بنسليمان كما يهدف إلى توفير بديل سريع للموظفين والطلبة القادمين من ضواحي الدار البيضاء (المحمدية، النواصر، مديونة) للوصول إلى المركز في زمن قياسي، ولإنشاء منظومة نقل موحدة سيتم الربط المباشر مع خطوط “ترامواي” و”الباصواي”.
– تحديث مطار محمد الخامس
من خلال تخصيص 1.5 مليار درهم لبناء مدرجات جديدة وتوسيع المحطات الجوية، ليصبح بوابة إفريقيا الأولى لاستقبال ملايين المشجعين.
التأهيل الحضري: الدار البيضاء بوجه عصري
إلى جانب الرياضة، تمتد يد الإصلاح لتشمل قلب المدينة وواجهتها البحرية وذلك بهدف ربط مسجد الحسن الثاني بوسط المدينة عبر ممرات مشاة عصرية ومساحات خضراء، مع إعادة تأهيل الكورنيش لتعزيز الجاذبية السياحية.
ولمواجهة التحديات المناخية، تسير أشغال محطة تحلية مياه البحر بوتيرة سريعة لضمان تزويد المدينة والمشاريع الجديدة بالمياه الصالحة للشرب دون انقطاع.
رؤية 2026: الجدولة الزمنية والتحديات
تعتبر سنة 2026 نقطة ارتكاز، حيث يُنتظر أن تكون أغلب هذه المشاريع قد قطعت أشواطا كبرى لتجريب فعاليتها قبل “مونديال 2030”. التنسيق بين ولاية الجهة، وزارة التجهيز، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يسير وفق خطة “صفر خطأ” لضمان جاهزية البنية التحتية.
“تحرير الملك العمومي”… بين
التنظيم والارتباك
كان لابد لإنجاز هذه المشاريع الضخمة من كلفة اجتماعية طرحت تساؤلات بخصوص مدى استفادة المواطن البيضاوي من هذه المشاريع على المدى القريب ..فعدد كبير منه هذه المشاريع تطلب لإنشائها نزع ملكية خصصت لها الدولة 1.2 ملايير درهم لتعويض الملاك. وشملت مئات الهكتارات من الأراضي الفلاحية، غير أنها أدت في المقابل إلى فقدان عائلات لمصادر رزقها التاريخية كما كانت صدمة “قيمة التعويض” ظاهرة على عدد من الفلاحين الصغار الذي صدموا من “فجوة الثمن”، حيث تمنح لجان التقييم مبالغ يراها السكان غير منصفة ولا تسمح لهم باقتناء بدائل زراعية بنفس الجودة، خاصة مع الارتفاع الصاروخي لأسعار العقار، كما يطرح أيضا مشكل التخوف من “عزل الدواوير”؛ فمسار الطريق السيار قد يقسم الأراضي ويصعب تنقل الماشية والسكان المحليين بين ضفتي الطريق إذا لم يتم توفير ممرات تحتية كافية.
أما بخصوص مد خطوط RER وتوسعة المحطات الحالية (مثل محطة الدار البيضاء المسافرين) فيتطلب المشروع عمليات حفر وبناء كبرى في مناطق آهلة بالسكان، مما يسبب إزعاجا صوتيا وضغطا على حركة المرور لسنوات، وفي بعض المناطق القريبة من السكك الحديدية، تتطلب التوسعة نزع ملكية بعض الأراضي أو هدم مبان محاذية للمسارات التقنية، وهو ما يثير تخوفات الساكنة من التعويضات والإفراغ.
من جهة أخرى لا تزال الجرافات تجوب مختلف الأحياء بالدار البيضاء في مهمة أساسية معلنة، وهي تحرير الملك العمومي وتنظيم الفضاء العام عن طريق إزالة البناء العشوائي وهدم البنايات الآيلة للسقوط وإعادة هيكلة الأحياء وتحرير الأرصفة،
وفي الوقت الذي توقفت آلة الهدم بلافيراي السالمية مؤقتا بعد صدور قرار رسمي يقضي بتأجيل عملية ترحيل السوق من مكانه نحو منطقة مديونة في انتظار استكمال التجهيزات، يخفي الجانب الآخر للعملة صورة أكثر قتامة بأحياء المدينة القديمة مثلا حيث يضع المواطنون أيديهم على صدورهم في انتظار تنفيذ قرارات الهدم ، والتي تتم، حسب بعض السكان، دون توفير بدائل واضحة أو تسوية الوضعيات القانونية، الشيء الذي يخلف مآس اجتماعية وحكايات ترحيل دون بداية أو نهاية(خصوصا بالنسبة للمسنين منهم )، مما يطرح بشدة مسألة حسن تدبير هذا الملف مع مراعاة مصالح الساكنة البيضاوية المتضررة من الهدم والترحيل إلى أماكن بعيدة عن محيطهم الذي اعتادوا العيش فيه ومدارس أطفالهم والأهم مصادر رزقهم التي تشكل جزءا أساسيا من استقرارهم اليومي .
لكن السلطات، وحسب سكان آخرين من ذات المنطقة، تعلمهم بموعد الهدم قبل 15 يوما مع الاستفادة من دعم 10 ملايين سنتيم والاعفاء من واجبات الموثق، بالمقابل يتساءل ذات السكان من جهة أخرى، أليس من الأجدر أن تستفيد ساكنة هذه الأحياء من سكن لائق، بدل الاستمرار في العيش داخل منازل آيلة للسقوط، تقع في دروب ضيقة وتفتقر لأبسط شروط السلامة؟
فعدد كبير من هذه المساكن شُيّد منذ أكثر من قرن، في غياب تام للتصاميم الهندسية والمعايير الحديثة للبناء، بل إن بعضها أُنجز دون استعمال الإسمنت المسلح، حيث لا تزال مكوناته التقليدية من التراب الأحمر والحجر بارزة للعيان بعد أن أنهكتها عوامل الزمن.
وتزداد خطورة الوضع مع وجود بنايات متعددة الطوابق، تصل أحيانا إلى أربعة طوابق أو أكثر، ما يضاعف من خطر الانهيار، خاصة وأن حوادث مماثلة سُجلت بالفعل في أزقة المدينة القديمة.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، يظل مشروطا بضمان بدائل حقيقية ومنصفة، تحافظ على حق الساكنة في الاستقرار، وتجنبها سيناريوهات الترحيل القسري أو الإقصاء من المجال الحضري.
كورنيش عين الذياب… الواجهة السياحية تحت الجرافات
لم يعد كورنيش عين الذياب، أحد أبرز الواجهات السياحية بمدينة الدار البيضاء، كما كان في السابق، فضاء مفتوحا على “تعايش” غير معلن مع الخروقات. فقد شرعت السلطات المحلية، بداية هذا الشهر، في تنفيذ عملية واسعة النطاق تستهدف عددا من المؤسسات الشهيرة المتهمة باستغلال الملك العمومي البحري والبناء خارج الضوابط القانونية، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الجرأة والحجم.
العملية تمتد على طول الشريط الساحلي الرابط بين منارة العنق ومحيط المركب التجاري “موروكو مول”، وتشمل فضاءات ظلت لسنوات طويلة تُقدم كواجهة للترفيه والسياحة، لكنها في العمق كانت موضوع جدل مستمر بسبب وضعيتها القانونية.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن تدخل السلطات يقوم على مقاربة متعددة المستويات، تبدأ بتصفية الوضعية العقارية للمنشآت المقامة فوق الملك البحري، مرورا برصد مخالفات التعمير، وصولا إلى مراجعة الرخص التجارية التي استُغلت، في عدد من الحالات، خارج الإطار القانوني.
غير أن ما يمنح هذه العملية بعدها الحقيقي، ليس فقط عدد المؤسسات المستهدفة، بل الرسالة التي تحملها: نهاية مرحلة “التسامح” مع احتلال الملك العمومي، وبداية مقاربة جديدة قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى في الفضاءات ذات الوزن الاقتصادي والسياحي.
ويرى متتبعون أن كورنيش عين الذياب ظل، لعقود، نموذجا مصغرا لاختلالات أوسع، حيث تداخلت المصالح الاقتصادية بالنفوذ، وجرى التغاضي عن خروقات واضحة، في غياب تفعيل صارم للقانون. وهو ما جعل من هذه الحملة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة السلطات على القطع مع ممارسات الماضي.
في المقابل، تطرح العملية تحديات موازية أبرزها فقدان وظائف، توقف أنشطة اقتصادية، غموض في المستقبل الاستثماري كما أن غياب رؤية تواصلية واضحة يخلق توترا في الوسط المهني.
وهو ما يطرح سؤال كيفية التوفيق بين فرض احترام القانون والحفاظ على الدينامية الاقتصادية والسياحية للمنطقة.
وفي خضم هذه التحولات التي تخضع لها الدار البيضاء بشكل متسارع، وهي تحولات مشروعة هدفها الارتقاء بالمدينة إلى مصاف المدن العالمية، يبقى التحدي الأكبر هو جعل هذا التحول رافعة لتحسين عيش البيضاويين وضمان حقوقهم وكذا الإنصات لانشغالاتهم.