لم يعد خافياً أن الخطاب الحكومي في المغرب وجد في التحولات الجيوستراتيجية العالمية شماعة جاهزة لتعليق فشله الداخلي. فكلما اشتد ضغط الواقع الاجتماعي، سارعت الحكومة إلى استحضار الأزمات الدولية، والحروب، واضطراب الأسواق، وكأن المواطن البسيط مطالب بأن يدفع فاتورة نظام عالمي لا يملك فيه قراراً. هكذا، تتحول الجيوستراتيجية من أداة تحليل إلى وسيلة إقناع، بل إلى مبرر لتبرير ما لا يُبرر.
في العمق، يشعر المواطن أن ما يقع ليس مجرد تداعيات خارجية، بل نتيجة مباشرة لاختيارات حكومية لم تنجح في معالجة الاختلالات البنيوية: «تفرقيش» ممنهج للقدرات، ونهب صامت للفرص، وتآكل مستمر للكرامة. الأسعار ترتفع بلا سقف، والخدمات العمومية تتراجع بلا مساءلة، بينما تكتفي الحكومة بخطاب يبرر أكثر مما يُصلح. هنا، لا يعود الحديث عن “الإكراهات الدولية” سوى غطاء هش لواقع أثقل.
الهشاشة الاجتماعية لم تعد حالة هامشية، بل أصبحت واقعاً يومياً يتسع نطاقه ويزداد عمقاً. لم تعد تقتصر على الفئات الأكثر فقراً، بل امتدت إلى شرائح كانت إلى وقت قريب تُصنف ضمن الطبقة الوسطى. هذه الفئة التي كانت تشكل عماد الاستقرار، تجد نفسها اليوم محاصرة بغلاء المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، وانسداد آفاق الارتقاء الاجتماعي. إنها هشاشة صامتة، لكنها أخطر من كل الأرقام.
لقد علمتنا جائحة كورونا درساً بسيطاً لكنه عميق: حين تشتد الأزمات، تنكفئ الدول على نفسها، وتنحاز أولاً لمصالح شعوبها. ومع ذلك، تصر الحكومة على رهن اختياراتها الاجتماعية بتقلبات الخارج، بدل أن تبني مناعة داخلية تحمي المواطنين من السقوط في دوامة الهشاشة.
غير أن الإشكال يتجاوز سوء التقدير إلى بنية في التدبير نفسه. فالحكومة تبدو غارقة في تضارب المصالح إلى حد يكاد يطبع المشهد العام، حيث تختلط المسؤولية السياسية بالمصالح الخاصة، وتُفتح مسالك المحسوبية، ويُشجَّع—بشكل مباشر أو غير مباشر—على حجب المعلومة الدقيقة عن المواطن. وقد طُرحت في أكثر من مناسبة تساؤلات جدية حول تجاوزات مقلقة، وتداول الرأي العام معطيات تستدعي التوضيح، لكن دون أن تجد طريقها إلى مساءلة قانونية واضحة أو نقاش سياسي مسؤول يضع الحقيقة أمام الجميع.
هذا التعاطي المرتبك لا يسيء فقط لصورة التدبير الحكومي، بل يمس جوهر الثقة في العدالة. فحين تغيب الشفافية وتضعف آليات المحاسبة، يتراجع الإحساس بالإنصاف، ويشعر المواطن أن القواعد لا تُطبق على الجميع بنفس الدرجة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: لأن المجتمعات لا تستقيم فقط بتوازنها الاقتصادي، بل أيضاً بإيمانها بأن العدالة قائمة، وأن الحقيقة لا تُحجب.
المفارقة أن نفس هذه التحولات الجيوستراتيجية، التي تُستعمل اليوم كذريعة، كان يمكن أن تكون فرصة. تعدد الأسواق، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحولات في موازين القوى الاقتصادية، كلها إمكانيات كان يمكن للحكومة أن توظفها لصالح الاقتصاد الوطني، ولتقوية الجبهة الاجتماعية. لكن ما حدث هو العكس: تضييق في الأثر، واتساع في الهشاشة، وغياب لرؤية قادرة على تحويل التحولات إلى مكاسب.
إن فشل الحكومة في تنزيل ورش الكرامة لا يظهر فقط في المؤشرات الكبرى، بل يتجلى في التفاصيل اليومية لحياة الناس. في رب أسرة عاجز عن تلبية الحاجيات الأساسية، في شاب فقد الثقة في المستقبل، في مريض يؤجل العلاج بسبب الكلفة. هذه ليست حالات معزولة، بل تعبير عن واقع اجتماعي يتجه نحو مزيد من الهشاشة، في ظل سياسات لا ترقى إلى مستوى التحدي.
ليست المشكلة في وجود أزمات عالمية، بل في كيفية تدبير آثارها داخلياً. فالحكومة التي تضع الإنسان في صلب أولوياتها، تستطيع أن تحد من وقع الأزمات، وتحمي الفئات الهشة من الانزلاق نحو الهامش. أما حين تغيب هذه الإرادة، فإن الهشاشة تتحول إلى قدر جماعي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: إلى متى سيظل المواطن، خاصة من يعيش على حافة الهشاشة، يدفع ثمن سياسات حكومية لا تحميه وخطابات لا تقنعه؟ وإلى متى ستستمر حكومة عاجزة عن تحويل الوعود إلى أفعال، في تأجيل الكرامة باسم الأزمات، وتجاهل أسئلة الشفافية والمحاسبة التي لا يمكن لأي إصلاح أن يقوم دونها؟