روبورتاجات

حين تُنقذ السماء ما عجزت عنه الأرض… دكالة بين انتعاشة المطر واختبار السياسات الفلاحية

 

لم يكن ما عاشته سهول دكالة خلال الأسابيع الأخيرة مجرد تحول في حالة الطقس، بل أقرب إلى لحظة مفصلية أعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض والماء. فبعد سبع سنوات متتالية من الجفاف القاسي، الذي أنهك الفلاحين واستنزف الموارد وخلخل التوازنات الاقتصادية القروية، جاءت التساقطات المطرية الأخيرة لتبعث الحياة من جديد في منطقة تُعد من أهم قلاع الإنتاج الفلاحي بالمغرب.
لكن خلف هذه الصورة التي يغلب عليها اللون الأخضر وتفاؤل الفلاحين، تختبئ أسئلة عميقة تتجاوز الموسم الحالي، لتلامس جوهر النموذج الفلاحي وحدود قدرته على الصمود في وجه التحولات المناخية المتسارعة. فهل نحن أمام بداية انتعاش مستدام، أم مجرد هدنة مناخية تخفي هشاشة بنيوية مؤجلة؟
مطر غزير… وذاكرة جفاف لا تُمحى
في الطريق بين الجديدة وسيدي بنور، يبدو المشهد اليوم مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل أشهر قليلة فقط. الأرض التي كانت متشققة، صامتة، تكاد تخلو من أي أثر للحياة، تحولت إلى فضاءات خضراء مترامية، تنبض بالحركة والنشاط. قطعان الأبقار والأغنام عادت إلى المراعي، والفلاحون انتشروا في الحقول، يتابعون نمو الزراعات ويستعدون لموسم طال انتظاره. غير أن هذا التحول السريع لا يمكن فهمه دون استحضار قسوة المرحلة التي سبقته. سبع سنوات من الجفاف المتواصل لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل كانت اختباراً قاسياً لقدرة المنظومة الفلاحية على التحمل.
في الدائرة السقوية لدكالة، التي تمتد على حوالي 96 ألف هكتار، بلغ العجز المائي مستويات غير مسبوقة. الإمدادات القادمة من حوض أم الربيع لم تتجاوز 354 مليون متر مكعب، في حين أن الحاجيات الفعلية كانت تفوق 850 مليوناً، ما يعني خصاصاً تجاوز 87 في المائة. هذه الأرقام لم تبقَ حبيسة التقارير، بل ترجمت على الأرض في شكل أراضٍ بور، ومواسم فلاحية ضعيفة، وديون متراكمة.
في القرى، كان الأثر أكثر قسوة. فلاحون اضطروا إلى بيع جراراتهم وآلياتهم بأسعار زهيدة، وآخرون قلصوا نشاطهم إلى الحد الأدنى، بينما غادر البعض الأرض مؤقتاً بحثاً عن مصادر دخل بديلة. حتى المراعي، التي كانت تشكل متنفساً للكسابة، تحولت إلى أراضٍ جافة لا تكفي لسد رمق القطيع.
وسط هذا السياق، لم يكن انطلاق الموسم الفلاحي الحالي يحمل الكثير من الأمل. المخزون المائي في السدود كان في مستويات مقلقة، والتوقعات لم تكن مشجعة. لكن التحول جاء سريعاً، وبشكل لم يكن في الحسبان. فخلال فترة وجيزة، سجلت دكالة تساقطات بلغت حوالي 413 ملمتراً، بزيادة تفوق 60 في المائة مقارنة بالمواسم السابقة. أمطار فبراير ومارس، على وجه الخصوص، كانت حاسمة، ليس فقط من حيث الكمية، بل من حيث التوقيت، إذ تزامنت مع مراحل حيوية من نمو الزراعات.
يقول أحد الفلاحين بسيدي بنور: “هذه الأمطار لم تسقِ الأرض فقط، بل سقت قلوبنا أيضاً”. عبارة تختزل البعد النفسي العميق لهذه التساقطات، التي أعادت الثقة لفئة عانت طويلاً من الإحباط.
انتعاش سريع… واقتصاد قروي يتحرك على إيقاع الحذر

مع أولى بوادر تحسن الغطاء النباتي، بدأت الحياة تدب من جديد في مفاصل الاقتصاد القروي. في الأسواق الأسبوعية، عادت الحركة تدريجياً، خاصة في أسواق المواشي التي شهدت انتعاشاً واضحاً في عمليات البيع والشراء.
في ثلاثاء سيدي بنور، وخميس الزمامرة، وأحد أولاد فرج، تبدو المؤشرات إيجابية. القطيع الذي تراجع عدده خلال سنوات الجفاف بدأ يستعيد جزءاً من عافيته، والمربون أصبحوا أقل اعتماداً على الأعلاف المركبة، بفضل توفر الكلأ الطبيعي.
هذا التحسن لم يقتصر على القطاع الحيواني، بل شمل أيضاً الزراعات المختلفة. الحبوب، التي تُعد العمود الفقري للفلاحة بدكالة، استفادت بشكل كبير من أمطار مارس، ما عزز الآمال في تحقيق إنتاج جيد. كما انتعشت الزراعات الكلئية، التي تلعب دوراً أساسياً في دعم تربية الماشية.
في الوقت نفسه، لوحظ إقبال متزايد على اقتناء المدخلات الفلاحية، من أسمدة وأدوية وبذور. هذا الإقبال يعكس عودة الثقة لدى الفلاحين، لكنه يكشف أيضاً عن تحديات جديدة، خاصة ما يتعلق بارتفاع الأسعار.
يقول أحد الفلاحين وهو يهم بشراء الأسمدة: “نحن نستثمر اليوم، لكن التكاليف مرتفعة… إذا لم تكن المراقبة، قد نخسر رغم الصابة”. هذا التصريح يسلط الضوء على معضلة حقيقية، تتمثل في التوازن بين الإنتاج والتكلفة.
اقتصادياً، يمكن القول إن دكالة تعيش حالياً مرحلة “انتعاش مشروط”. فكل المؤشرات الإيجابية مرتبطة بشكل مباشر باستمرار الظروف المناخية نفسها. أي اختلال، سواء في شكل موجة حرارة مبكرة أو توقف مفاجئ للتساقطات، قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
كما أن هذا الانتعاش يظل محدود الأثر في ظل غياب تنويع حقيقي للأنشطة الاقتصادية القروية. فالمجال يظل رهيناً بشكل شبه كلي بالموسم الفلاحي، ما يجعله عرضة للتقلبات.
بين رحمة السماء وحدود التدبير… أسئلة النموذج الفلاحي

رغم الفرحة التي تعم دكالة، يطرح هذا التحول السريع سؤالاً جوهرياً: هل يعكس انتعاش اليوم نجاح السياسات الفلاحية، أم يكشف حدودها؟
على مدى سنوات، تم إطلاق برامج ومخططات تهدف إلى تحسين مردودية القطاع، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية وتحديث أساليب الإنتاج. غير أن اختبار الجفاف أظهر أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تكن كافية لضمان صمود المنظومة. أحد أبرز التحديات يتمثل في تدبير الموارد المائية. فدكالة، رغم توفرها على واحدة من أكبر الدوائر السقوية، ظلت عرضة لاختلالات كبيرة بسبب تراجع الإمدادات. وهو ما يطرح ضرورة تسريع الانتقال إلى نماذج أكثر اقتصاداً في الماء، مثل السقي الموضعي، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة.
كما تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نوعية الزراعات، خاصة تلك التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، مقابل تشجيع محاصيل أكثر ملاءمة للظروف المناخية.
سياسياً، يفرض هذا الوضع نقاشاً أوسع حول فعالية السياسات العمومية في القطاع الفلاحي، ومدى قدرتها على التكيف مع التحولات المناخية. فالاكتفاء بردود الفعل الظرفية لم يعد كافياً، في ظل تزايد تواتر فترات الجفاف.
في هذا السياق، تكتسي مسألة استئناف الري الكبير بدكالة أهمية خاصة. فعودة السقي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لاستقرار الإنتاج، لكنها تظل مرتبطة بمدى توفر الموارد، وبقدرة المؤسسات على تدبيرها بشكل مستدام. كما أن دعم الفلاحين، خاصة الصغار منهم، يجب أن يكون في صلب أي إصلاح. هؤلاء كانوا الأكثر تضرراً خلال سنوات الجفاف، وهم اليوم في حاجة إلى مواكبة حقيقية لضمان استمرارية نشاطهم.
في الحقول، وبين سنابل القمح التي بدأت تتشكل، لا يبدو الفلاحون منشغلين كثيراً بهذه النقاشات. هم يركزون على العمل، ويتابعون نمو محاصيلهم، ويأملون في موسم يخفف عنهم سنوات من المعاناة. لكن، رغم التفاؤل، يظل الحذر سيد الموقف. فالتجربة علمتهم أن الطبيعة لا تُؤتمن بالكامل، وأن كل موسم يحمل مفاجآته.
يقول أحدهم وهو ينظر إلى السماء: “الأرض عطات، وبقات غير السماء تكملها”.
بين هذا الأمل، وتلك الهشاشة، تقف دكالة اليوم على خط دقيق يفصل بين انتعاش قد يؤسس لمرحلة جديدة، وأزمة قد تعود في أي لحظة. وإلى أن يحين وقت الحصاد، سيظل الدعاء يتردد في الحقول والأسواق: “الله يكمل بخير… ويجعلها صابة مباركة”.