تربوية

«سمفونية الإبداع»… أصوات تلاميذية تعيد للأدب مكانته في المدرسة المغربية

 

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتنافس فيه الوسائط الحديثة على انتباه المتعلمين، يظل الأدب، بمختلف أجناسه من شعر وقصة ورواية، أحد أقوى الدعامات التربوية القادرة على بناء الإنسان المتوازن، وصقل ذوقه الجمالي، وتنمية قدراته التعبيرية والفكرية. فالأدب لا يمنح المتعلم فقط معجمًا لغويًا غنيًا وأسلوبًا رفيعًا، بل يفتح أمامه آفاق الخيال، ويغرس فيه القيم الوطنية والإنسانية، ويقوده تدريجيًا نحو التكوين الذاتي عبر بوابة القراءة والكتابة.
وفي هذا الإطار، احتضنت قاعة عابد الجابري بنادي الهمداني، صباح يوم الخميس 23 أبريل 2026، حفل تقديم كتاب جماعي بعنوان «سمفونية الإبداع»، دورة العربي بنجلون، وهو عمل أدبي يضم باقة من النصوص الشعرية والسردية التي أبدعها تلميذات وتلاميذ شاركوا في مسابقة أدبية نظمتها جمعية سمفونية الزهور للثقافة والفنون، بشراكة مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بعمالة الحي الحسني، تحت شعار: «مبدع اليوم… أديب الغد».
وشكل هذا الحدث الثقافي مناسبة للاحتفاء بالإبداع التلميذي، حيث استُهل الحفل بكلمة السيدة المديرة الإقليمية، التي أشادت بالمجهودات المبذولة في سبيل إعادة الاعتبار لفعل القراءة والكتابة داخل المؤسسات التعليمية، منوهة بالدور الحيوي الذي تضطلع به المبادرات الثقافية والفنية في دعم المسار التربوي، ومثمّنة انخراط الأطر التربوية والإدارية في إنجاح مثل هذه المشاريع.
من جانبها، أكدت الأستاذة ليلى التجري، رئيسة جمعية سمفونية الزهور للثقافة والفنون، أن هذه التجربة أبرزت شغفًا حقيقيًا لدى التلاميذ بعوالم السرد والشعر، وكشفت عن طاقات إبداعية واعدة قادرة على حمل مشعل الأدب مستقبلًا. كما عبّرت عن امتنانها لكل المتدخلين الذين ساهموا في إخراج هذا العمل إلى حيز الوجود.
وقد تولى الأديب المغربي مصطفى لغتيري مهمة الإشراف على تجميع النصوص وصياغة مقدمة الكتاب، حيث أبرز في كلمته عمق العلاقة بين الأدب والتربية، وهي علاقة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها في التاريخ، مستحضرًا في هذا السياق وصية الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لمعلم ابنه حين أوصاه بتعليمه شعر الأعشى لما يحمله من بلاغة وقيم.
وتخللت الحفل قراءات شعرية متميزة، إلى جانب لحظة تكريم لعدد من المبدعين، من بينهم الزجالة خديجة لحرار، والشاعر أحمد الطالبي، والناقد أحمد باحفيظ، والقاص أحمد شكر، والكاتب محمود أيت الحاج، والدكتور إبراهيم ونزار، فضلًا عن الكاتبة الصاعدة نهيلة لعبيدي التي حلت ضيفة شرف على التظاهرة.
أما نتائج المسابقة الأدبية، فقد عكست مستوى متميزًا من الإبداع لدى المشاركين، حيث فازت التلميذة ملاك إدبهو بالمرتبة الأولى في صنف الرواية (الثانوي التأهيلي) عن عملها “شحن الحياة”، فيما عادت المرتبة الأولى في صنف القصة (الثانوي التأهيلي) للتلميذة ملاك الطرباوي. وفي السلك الابتدائي، توجت التلميذة سلمى بوريال بالمرتبة الأولى في صنف القصة، بينما حازت التلميذة فردوس الصنهاجي المرتبة الأولى في صنف الشعر.
ولعل أبرز ما ميز هذه التجربة، هو إدراج النصوص الفائزة ضمن كتاب جماعي سيبقى شاهدًا على بدايات أدبية واعدة، حيث اعتبر الفائزون أن هذا التتويج لا يختزل فقط في الجوائز، بل يتجسد أساسًا في منحهم فرصة نشر أعمالهم وتوثيقها، بما يعزز ثقتهم في قدراتهم الإبداعية ويدفعهم إلى مواصلة مسار الكتابة.
هكذا، تؤكد “سمفونية الإبداع” أن المدرسة المغربية ما تزال قادرة على احتضان المواهب وصناعة الأمل، حين تتكامل الجهود بين الفاعلين التربويين والثقافيين، وحين يجد التلميذ فضاءً يعبّر فيه عن ذاته ويصوغ من كلماته حلم المستقبل.