آراء ومواقف

التنمية المستدامة والأمن الشامل: نحو إعادة تعريف الحكامة الأمنية

لا شك أن التحولات التي يشهدها المغرب في مجال السياسات العمومية تعكس انتقالاً استراتيجياً من مقاربة قطاعية ضيقة إلى رؤية نسقية مندمجة، قوامها الربط الجدلي بين التنمية المستدامة والأمن الشامل… ومن المؤكد أن هذا التحول يجد أساسه في التوجيهات الملكية السامية التي أرست دعائم نموذج تنموي جديد يجعل من الإنسان محوراً لكل السياسات، ويؤكد أن الاستقرار لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية، كما أن الأمن لا يمكن اختزاله في بعده الزجري دون استحضار أبعاده الوقائية والتنموية. وبالتالي، يبرز التكامل بين الخبرة التقييمية للمرصد الوطني للتنمية البشرية والتدخلات الميدانية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية كرافعة مركزية لإعادة صياغة الحكامة الأمنية والمهام السيادية للدولة.
ومن ثم، فإن تحليل هذا التكامل يقتضي استحضار الإطار القانوني والدستوري الذي يؤطره، حيث إن دستور سنة 2011 كرس تحولاً عميقاً في فلسفة الدولة، عبر التنصيص على جملة من الحقوق البيئية والاجتماعية، وربطها بالتزامات الدولة في مجال التنمية المستدامة… كما أن بلورة مشروع القانون-الإطار رقم 12-99 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة يعكس إرادة تشريعية واضحة لتكريس حكامة بيئية مندمجة، تدمج البعد الأمني ضمن السياسات العمومية، وتؤسس لمقاربة وقائية قائمة على الحذر والمسؤولية. لذلك، فإن البيئة لم تعد مجالاً تقنياً صرفاً، وإنما أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والاجتماعي.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا التوجه يجد امتداده في بنية الحكامة التنموية، حيث يضطلع المرصد الوطني للتنمية البشرية بدور محوري باعتباره جهازاً استراتيجياً لإنتاج المعرفة وتقييم السياسات… إذ إن مهامه تتجاوز الرصد الإحصائي إلى تحليل المؤشرات المركبة، واستشراف التحولات الاجتماعية، وتحديد بؤر الهشاشة التي قد تتحول إلى تهديدات أمنية كامنة. ومن الثابت أن هذا الدور يجعل من المرصد أداة للإنذار المبكر، تساهم في توجيه القرار العمومي نحو التدخل الاستباقي بدل التدخل اللاحق.
في المقابل، تمثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الذراع التنفيذي الذي يترجم هذه المعرفة إلى برامج ومشاريع ميدانية تستهدف الفئات الهشة والمجالات المهمشة… ومن المؤكد أن فلسفة هذه المبادرة، منذ إطلاقها بموجب الخطاب الملكي لسنة 2005، تقوم على تعزيز الكرامة الإنسانية وتحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بما يساهم في تحصين المجتمع ضد مختلف أشكال الهشاشة. وبالتالي، فإن العلاقة بين المؤسستين تتأسس على تكامل وظيفي دقيق: تشخيص علمي يضبط الاختلالات، وتدخل عملي يعالجها وفق مقاربة ترابية مندمجة.
لا ريب أن هذا التكامل ينعكس بشكل مباشر على طبيعة الحكامة الأمنية، حيث ينتقل بها من مقاربة تقليدية قائمة على الضبط والزجر، إلى مقاربة استباقية تنموية تعتمد على تحليل المعطيات واستهداف الأسباب العميقة للاضطرابات… إذ إن مؤشرات الفقر، والهدر المدرسي، والبطالة، تشكل عناصر حاسمة في فهم ديناميات التوتر الاجتماعي، وبالتالي فإن معالجتها عبر برامج تنموية فعالة تساهم في تجفيف منابع الجريمة والتطرف، وتعزز ما يمكن تسميته بـ»المناعة الاجتماعية».
كما أن إدماج البعد البيئي ضمن هذه المعادلة يضفي على الحكامة الأمنية طابعاً أكثر شمولاً، حيث إن إحداث آليات مثل “شرطة البيئة”، وتكريس مبدأ “الملوث المؤدي”، وتفعيل أنظمة التأمين ضد المخاطر البيئية، كلها أدوات قانونية تعزز الطابع الوقائي للأمن… ومن ثم، فإن الأمن البيئي يصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن العام، بما يضمن حماية الموارد الطبيعية وصحة المواطنين في آن واحد.
ومن زاوية أخرى، يساهم هذا النموذج في إعادة تعريف المهام السيادية للدولة، حيث لم تعد هذه المهام مقتصرة على الدفاع وحفظ النظام، وإنما امتدت لتشمل ضمان التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية… ومن المؤكد أن هذا التحول يعكس بروز مفهوم “السيادة الاجتماعية”، الذي يجعل من قدرة الدولة على تقليص الفوارق وضمان الكرامة معياراً أساسياً لشرعيتها. لذلك، فإن تدخل الدولة عبر المبادرة الوطنية في المناطق الهشة يمثل ممارسة فعلية للوظيفة السيادية، بما يرسخ الاستقرار ويعزز الانتماء الوطني.
إضافة إلى ذلك، فإن الحكامة الترابية تشكل أحد أعمدة هذا التحول، حيث يتم إشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني في بلورة وتنفيذ السياسات التنموية… إذ إن هذا التوجه ينسجم مع مبادئ الديمقراطية التشاركية التي كرسها الدستور، ويعزز فعالية التدخل العمومي من خلال ملاءمته مع الخصوصيات المحلية. وبالتالي، فإن المواطن لم يعد مجرد متلقٍ للسياسات، وإنما أصبح شريكاً في صياغتها وتنفيذها.
وفي سياق موازٍ، يبرز البعد الرقمي كعامل حاسم في تطوير هذه الحكامة، حيث إن اعتماد نظم المعلومات الجغرافية وتحليل البيانات يتيح للدولة تعزيز قدراتها في الرصد والتقييم والتدخل السريع… ومن الثابت أن هذا “الأمن المعلوماتي التنموي” يشكل رافعة أساسية لتوجيه السياسات العمومية، خاصة في حالات الأزمات، حيث تصبح المعطيات الدقيقة أساساً لاتخاذ القرار.
وعلى الرغم من هذه المكتسبات، فإن هذا النموذج يواجه تحديات متعددة، تتعلق أساساً بضمان استدامة المشاريع التنموية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين… كما أن رهانات السيادة الرقمية تفرض تطوير آليات لحماية المعطيات واستثمار التكنولوجيا في خدمة التنمية. لذلك، فإن تحقيق النجاعة يظل رهيناً بتعزيز ثقافة التقييم، وترسيخ مبدأ الالتقائية، وضمان الانسجام بين السياسات القطاعية.
وخلاصة القول، من الثابت أن التكامل بين المرصد الوطني للتنمية البشرية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية يشكل نموذجاً متقدماً لإعادة صياغة الحكامة الأمنية في المغرب، عبر نقلها من منطق التدخل الظرفي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القائم على المعرفة… وبالتالي، فإن هذا التكامل يرسخ تصوراً جديداً للسيادة، يجعل من التنمية المستدامة والأمن الشامل ركيزتين متلازمتين في بناء الدولة الحديثة. دون ريب، إن هذا المسار يعكس نضج التجربة المغربية وقدرتها على التكيف مع التحولات، في أفق ترسيخ نموذج تنموي متوازن يضمن الاستقرار والكرامة للأجيال الحاضرة والقادمة.