آراء ومواقف

دبلوماسية ملك …صيانة كرامة الوطن والمواطنين

شكل القرار الأممي بالاعتراف بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الصحراوية، ضربة موجعة لأعداء الوحدة الترابية، وجاء هذا القرار ثمرة مجهودات كبيرة قامت بها الدبلوماسية الملكية على كافة المستويات، حيث راكم المغرب العديد من الانتصارات المتتالية بالمحافل الدولية، خاصة على مستوى الأمم المتحدة، والاتحاد الافريقي والاتحاد الأوربي، وتمكن، من خلال حضوره القوي بالمنظمات والهيئات الدولية، من محاصرة الدعاية الانفصالية، والدفاع عن مقترح الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل بالصحراء المغربية .
ملف الصحراء المغربية شهد، على مدى 26 سنة من حكم الملك السادس، تحولات استراتيجية غير مسبوقة على المستويين الدبلوماسي والسياسي، بعدما تمكن المغرب من تثبيت مواقفه الراسخة إقليميا ودوليا بخصوص وحدته الترابية، وفرض مقاربته الواقعية القائمة على الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي والوحيد القابل للتطبيق من أجل تسوية هذا النزاع المفتعل الذي عمر لأزيد من خمسة عقود .
هذه التحولات لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة عمل دبلوماسي عميق ومتعدد الأبعاد، نزع في نقل ملف الصحراء من منطق “نزاع ايديولوجي جامد” إلى مقاربة واقعية قائمة على الحلول الممكنة، فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى بدعم متزايد من داخل المنتظم الدولي، أصبحت اليوم المرجعية الأكثر جدية ومصداقية، كما تؤكد ذلك تقارير الأمم المتحدة ومواقف عدد متزايد من الدول .
إن توالي قرارات سحب أو تعليق الاعتراف بالكيان الانفصالي يعكس تحولا عميقا في موازين التقدير الدولي. فدول كانت في وقت ما تنخرط في الاعتراف بدوافع سياسية أو ظرفية، بدأت تعيد قراءة الواقع على الأرض، لتكتشف أن الرهان على كيان وهمي في مواجهة دولة عريقة، لم يعد مجديا، لا سياسيا ولا تنمويا.
في المقابل يرسخ المغرب حضوره كفاعل إقليمي موثوق، يجمع بين الاستقرار السياسي والدينامية الاقتصادية والانفتاح الإفريقي، وهو ما جعل مواقفه في ملف وحدته الترابية تحظى بقدر متزايد من التفهم والدعم. فالدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل أصبحت تبادر، وتقنع وتبني شراكات استراتيجية تعيد تشكيل المواقف الدولية .
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد “سحب اعتراف” هنا أو ” تجميد موقف” هناك، بل هو انهيار تدريجي لسردية انفصالية فقدت سندها الواقعي ، في مقابل صعود رؤية مغربية تستند إلى الشرعية التاريخية ، والقانون الدولي ومنطق الحلول العملية .
إنه انحياز حماسي وعارم للمغرب ، والآن ، فقط ، لأن المغرب، طور ممكناته، مقوماته وجاذبياته الاقتصادية، العسكرية (وضمنها الأمنية) والاستراتيجية… لا “إكراميات ” مجانية في السياسة الدولية… التدبير الملكي صان كرامة الوطن وقد ضخها بكرامة المواطنين ومرن بعضلات الأبنية السياسية ، الاجتماعية والاقتصادية للبلاد على اقتحام تحديات التنمية بتفاؤل الإرادة و”تفاؤل” العقل… ولهذا المغرب محترم ومقدر وله تموقع هام في رجات وتدافعات الوضع الدولي… والمغرب مطلوب ، بفاعليته، للحضور في تدافعات وتطورات الوضع الدولي، ولهذا وجب تخليصه من وخز شوكة في حذائه، كان “يفخر” يدسها فيه الراحل هواري بومدين .
في هذا الشوط الإضافي، والأخير ، من نزاع الصحراء المغربية ، التوجه واضح… أمام القرار الدولي، المسار سالك والقاطرة فيه متحركة بقيادة أمريكية مجدة وبتفاعل فرنسي – إسباني معها …والمعني بهذا الوضع، من الجانب السلبي، هو الجزائر …وهي تدرك أن الأداة الانفصالية في عدائها للمغرب تعيش نزعها الأخير… وهمها الانفصالي يختنق .
في الفضاء الدولي، تتراكم الاقتناعات الدولية بصوابية وفعالية المقترح الذاتي ، عدا عن الاعترافات المتزايدة والوازنة بمغربية الأقاليم الصحراوية المغربية …وبعد صدور قرار مجلس الأمن 2797 المعبر عن الإرادة الدولية، الجماعية والمصممة، بات واضحا للقيادة الجزائرية، أو هكذا ينبغي، أن لا سبيل أمامها سوى الالتحاق بالمسار الدولي، بمفرداته وبمؤدياته… وستمضي في ذلك الاتجاه بالضرورة… وبما تراه مناسبا لتسهيل هضمها لحقيقة تاريخية “جاهدت” من أجل تبديدها، ثم تعتيمها، ثم إبطاء وصولها إلى محطتها الجغرافية الأصلية والأصيلة …
الإرادة الدولية واثقة من قرارها ومتحمسة لتنزيله، بحيث أنها، اليوم، تبحث في تداعيات وترتيبات ما بعده .
إن ما يجري اليوم داخل مجلس الأمن ليس مجرد تداول تقني في ملف نزاع، بل هو إعادة صياغة تدريجية لمقاربة دولية تنهي عقودا من الانتظار، وتفتح الباب أمام حل نهائي يحفظ ماء وجه الجميع، لكنه ، في الآن ذاته، ينسجم مع الحقائق التاريخية والواقعية على الأرض. وبين ثبات الموقف المغربي وتنامي التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية تحت السيادة الوطنية، يبدو أن المنتظم الدولي يتجه بخطوات متسارعة نحو الحسم النهائي لهذا الملف .