عاد الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي الأستاذ إدريس لشكر إلى تحريك المياه الراكدة داخل حقل سياسي اعتاد على تجنب الأسئلة الحقيقية، فمجرد إثارة موضوع التداول على مراكز القرار كان كفيلا بإطلاق موجة من التأويلات، والاعتراضات، بل وحتى التخويف، وكأننا أمام منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها، أو نقاش قد يكلّف صاحبه ثمنا انتخابيا باهظا.
ورغم أن هذا الطرح يبدو في ظاهره امتدادا طبيعيا للنقاش الديمقراطي، إلا أنه سرعان ما يثير حساسية سياسية واضحة، إذ يتم اختزاله أو تحريفه، أو حتى تقديمه كـمغامرة انتخابية غير محسوبة، والحال أن جوهر النقاش، كما يفهم من مواقف لشكر دائما، يجب ألا يرتبط فقط بالأحزاب أو المنتخبين، بل يتجاوز ذلك إلى مستويات أعمق داخل الدولة نفسها.
لقد اتضح ان إثارة هذا الموضوع يزعج بعض الدوائر السياسية في البلد ويعتبره البعض خطا مخيفا ومن الأفضل تجنب الاقتراب منه أو مناقشته لما قد يلحقه من ضرر انتخابي بصاحبه، وبعض آخر يتمادى في تأويل كلام الكاتب الأول ويتعمد إعطاءه أبعادا أخرى انتقاما من اقترابه لمساحة الممنوع.
وهنا لابد من التوضيح التالي: إن الذين يسارعون إلى تأويل تصريحات الكاتب الأول، ويوحون تصريحا أو تلميحا بأنه يقصد المؤسسة الملكية، لا يخدمون هذه المؤسسة بقدر ما يسيئون إليها، ذلك أنهم هم من يزجّون بها في نقاش لم تُطرح فيه أصلا، ويستدعونها حيث لا داعي للاستدعاء، في محاولة مكشوفة لتحريف النقاش عن جوهره.
والحال أن هذا الموضوع محسوم لدى المغاربة منذ عقود، ولا أحد اليوم يجادل في موقع المؤسسة الملكية داخل البناء الدستوري للبلاد، ولا أحد يمكن أن يصدق أن حزبا بتاريخ الاتحاد الاشتراكي يمكن أن يُختزل في موقف عدائي تجاهها. ومنه يصبح هذا التلميح هروبا إلى الأمام، ومحاولة لإسكات سؤال مشروع عبر تخويفه، وتصبح الحقيقة التي يحاول البعض القفز عليها هي أن النقاش الذي أعاد لشكر طرحه يمس جوهر البناء الديمقراطي في بلادنا: هل التداول مبدأ شامل، أم مجرد شعار يُستدعى عند الحاجة ويُعطَّل عندما يقترب من مراكز النفوذ الحقيقية؟ كما انه ليس سرا أن جزءا مهما من القرار العمومي لا يُصنع داخل المؤسسات المنتخبة، بل داخل أجهزة وهيئات ومؤسسات عمومية تدبر قطاعات استراتيجية، بميزانيات تفوق أحيانا ما تتوفر عليه جماعات ترابية بأكملها
إن قياس الديمقراطية لا يتم عبر تغيير المنتخبين، بل أيضا بمدى تجديد النخب داخل الدولة، وبقدرة المؤسسات على الانفتاح، وبإرساء قواعد واضحة للمسؤولية والمحاسبة حتى لا يصبح الاستمرار الطويل قاعدة غير مكتوبة، وتتحول المسؤولية إلى ما يشبه امتيازا دائما، بدل أن تكون تكليفا مؤقتا خاضعا للتقييم والمساءلة. فعند تفكيك بنية السلطة، نجد أن جزءا مهما من القرار العمومي يمارس داخل أجهزة وهيئات إدارية وتقنية واستراتيجية، مؤسسات عمومية كبرى تدبر قطاعات حيوية (الطاقة، الماء، النقل…) أجهزة إدارية مركزية تتحكم في السياسات القطاعية، هيئات تنظيمية مستقلة ذات نفوذ فعلي على السوق والاقتصاد، مناصب عليا في الإدارة الترابية والمؤسسات العمومية يستمر فيها نفس المسؤولون لفترات طويلة جدا، أحيانا تتجاوز عقدين أو أكثر، دون نقاش عمومي حول التداول أو التقييم، هذا التفاوت في المعايير يفرغ مبدأ التداول من محتواه الديمقراطي، ويجعله أداة سياسية ظرفية بدل أن يكون قاعدة مؤسساتية عامة. ونجد في الديمقراطيات الراسخة أمثلة لتحديد مدد المسؤوليات في المؤسسات العمومية ولإخضاع كبار المسؤولين لتقييم دوري وربط المسؤولية بالمحاسبة وتشجيع تجديد النخب داخل الإدارة وليس فقط داخل الأحزاب.
في فرنسا، يتم تغيير عدد كبير من كبار المسؤولين مع كل دورة سياسية، خصوصا في المناصب العليا للدولة وفي الولايات المتحدة، يخضع آلاف المسؤولين للتعيين السياسي المؤقت المرتبط بالولاية الرئاسية وفي دول شمال أوروبا، يتم التركيز على الشفافية والتقييم الدوري، ما يجعل الاستمرار الطويل مشروطا بالأداء.
ضغوط التداول هذه تمارس كذلك على الفاعل الحزبي حتى داخل تنظيمه السياسي ونلاحظ منذ سنوات، كيف يتم تضخيم النقاش حول بقاء الأمناء العامون للأحزاب في مواقعهم، وكأن أزمة الديمقراطية في المغرب تختزل في هذا المعطى وتُرفع شعارات التجديد والقطع مع الزعامات، ويُقدَّم التداول داخل الأحزاب كاختبار للديموقراطية مع أن النقاش حول بقاء الأمناء العامين للأحزاب مختلفا من حيث الطبيعة فالأحزاب، من حيث المبدأ، هي تنظيمات مستقلة، يحدد أعضاؤها قواعدها الداخلية وبالتالي فإن انتخاب الكاتب الأول أو الأمين العام هو قرار ديمقراطي داخلي واستمرار القيادة مرتبط بإرادة المؤتمرين والمناضلين كما أن التداول داخل الحزب يخضع لتوازنات سياسية وتنظيمية خاصة.
وقد أكد لشكر في أكثر من مناسبة على المرجعية الدستورية وعلى أن العمل الحزبي يجب أن يُحتكم فيه إلى القواعد الديمقراطية الداخلية، بمعنى آخر إذا كان المناضلون يجددون الثقة في قيادة معينة، فإن ذلك يدخل في إطار الاختيار الديمقراطي، وليس بالضرورة خللا في التداول.
وهنا يكتسب سؤال التداول الذي طرحه لشكر بعده الحقيقي: لماذا نطالب المنتخبين بالتداول، ونتجاهله حيث تتركز السلطة الفعلية؟
إن طرح التداول في كل المؤسسات شرط أساسي لتحسين الأداء العمومي والتجديد المستمر للنخب، وتحديد مدد المسؤوليات، وإخضاع كبار المسؤولين للتقييم الدوري، كلها آليات تضمن حيوية المؤسسات وتمنع احتكار القرار.
ما يحسب لإدريس لشكر دوما ليس فقط طرحه لهذا الموضوع، بل إصراره على كسر هذا الطابو السياسي لأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من المناطق الآمنة، بل من الأسئلة المزعجة.
الواقع أن ردود الفعل التي أعقبت تصريحاته تؤكد أن النقاش لم يصل بعد إلى نضجه المطلوب، حيث يتم اللجوء إلى التأويل، أو التخويف، بدل المواجهة الصريحة للأسئلة المطروحة.
إن معركة الديمقراطية في المغرب لا تتعلق بالواجهة الحزبية، ولا يمكن أن تُدار بمنطق الانتقائية، فالتداول، إذا أُريد له أن يكون مبدأً فعليا، يجب أن يشمل كل مواقع القرار دون استثناء.
أما الاستمرار في التعامل معه كأداة ظرفية، تُشهر في وجه الأحزاب وتُخفى عن باقي المؤسسات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة، وإضعاف مصداقية الخطاب الإصلاحي.